تنهدتَ وابتسمت، اعترفت أنها على حق، لكنك لا تستطيع مصارحتها، أنت تحبها ولا تريد أن تخسرها، أنت الرجل لم تستطع الحصول على كيس خضار أو فواكه، تذكرت كيف وقفت في صف طويل، مع اقتراب دورك يتحول الحلم إلى حقيقة، لحظة مددت يدك للحصول على ما تريد من التعاونية، زقزق في داخلك ألف عصفور. تدعو الموظف لتناول النقود وإعطائك ما طلبت، ظننت أن دورك قد وصل، وأن قوتك قادرة على الاحتفاظ به، تمسكت بحديد الكوة، الرجل الذي أمامك أخذ ما أراد، يحاول الخروج، في هذه اللحظة جاء رجال سدوا الطريق، ترنح الصف ذات اليمين وذات الشمال، بقيت ثابتًا مكانك، لكن الشيء الذي لم تضعه في حسابك أنه بعد أن أخذ حصته ولم يجد طريقًا جانبيًا للخروج، جرب قوته، فوجد النقطة الأضعف خلفه، كور جسده وبدأ بالتراجع، مما مهد لدخول الذين على يمين الصف ويساره إلى الكوة. وهذا ساعده على تركيز قوته بخلخلة الصف، استمرت حالة الدفع إلى الخلف والأمام والجانبين، كانت حصيلة ذلك أنك ركبت على ظهره وصرت خارج الصف. لم يكتف بذلك بل شتمك ووصفك قليل الذوق! فركت جبينك، نظرت مذهولًا، كيف تفكر بالمؤسسات وفرات أمامك، نظرت إليك نظرة ذات معنى. وقالت:
-نحن هنا!
تأملتها، كل ما فيها ينطق بالنعومة والجاذبية.
الريح تشتد، تتلاعب بشعرها وبأطراف فستانها، تتسلل إلى جسدها إلى أكثر الأماكن حساسية، حنت جسدها، بيدها ردت نهاياته، تشدُّ على وسطها، راكضة عكس الريح، تاركة له حرية مداعبة ثيابها ضاغطًا على جسدها مبرزًا مكونات أنوثتها وتفاصيلها، الهواء تمرد، تجاهلته ومشت غير آبهة. تمهلت في سيرها وكادت تتعثر، قبل أن تفترقا لوحت بيدها وأسرعت.
لا تملك فرات فائضًا من الوجد. ظنت أن علاقتكما ستظل مجرد صداقة بريئة، لكن شيئًا ما في داخلها بدأ يخربش، وردة روحها تنتعش. تحاصرها، تستعيد كلماتك، تتخيل شخصيتك وتدقق النظر إلى عينيك، تكتشف أنك موجود في كل ركن من غرفتها، لم تنم تلك الليلة، سهرت وأخذت تلوّن السماء المطرزة بحزام من النجوم، أبعدت السحب، أحست بحيويتها، هرب النوم على وقع الأحلام والذكريات، ترهقها العتمة وأحيانًا تؤنسها، طائر يهجع في صدرها يغرد، قلبها يدق على ألحانه طوال الليل، مع تباشير الصباح تنطلق النايات، يطير فؤادها صوب اللحن، تنشد الأغاني، ما زالت غير قادرة على التخلص من ماضيها.