فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 1574

وارهف سمعك جيدًا، هل تسمع، نعم إنها الموسيقى الحالمة تصدح في بهو القصر، وتصل إلى آذان السامعين من أمثالنا مختلطة بلغط الحاضرين والحاضرات الساهرين والساهرات الذين يعبثون تحت تأثير الإضاءة القوية المركزة، أجل تصل إلى آذاننا الموسيقى وكأنها أضغاث أحلام.

انظر إليهم، هاهم يتأبطون نسائهم جميعًا، ويرفعون كؤوسهم وهي طافحة بالشراب، يقرعونها بمرح فيما بينهم، ثم يشربون الأنخاب... والموسيقى تهمس في آذانهم بغواية، كأنها اللذة تغريهم بطلب المزيد، وتلك الإشعاعات من فوقهم تلون وجوه إناثهم فيتضرجن باحمرار واخضرار واصفرار، فينتشون على انتشائهم بالشراب، وهنا الإغراء سيد الموقف، والشهوة تستعر، والنار تتأجج في ضلوع الساهرين. فإذا الكل يطلب الآخر، والآخر يطلب الكل.

خذ نفسًا عميقًا وألق بعينيك إلى حيث يرقصون ومن فوقهم تتراقص الأشجار والأضواء، يبارك لهوهم ذلك القصر الشامخ من ورائهم. تلك الحسناء الصغيرة ذات الستة عشر ربيعًا تبدو محمومة وهي تخاصر فتاها ذا الشعر المعقود، وتلك السيدة الوارفة كأنها من أشجار الأرز تقف في الركن البعيد ولكن أحدهم يحاول لفت انتباهها، وهي مشغولةً بآخر. أما هذه الصغيرة الحمراء كالألم، يا لفستانها القصير، ويا لشعرها الطويل، وخدها الأسيل، وقدها الجميل، إنها تبدو وهي ترقص بشغف كفراشة تحترق وتجاهد في الإفلات من ألسنة اللهب.

وتلك الغادة الفاتنة، وذلك الرجل الوسيم، وتلك وذاك وتلك..

إنهم جميعًا يرقصون، وهم فرحون، لكن أتراهم سعيدون؟؟؟.

قلت أوصني..

قال مباركٌ ابن السبيل، فخذ متاعك وارحل من الفلاة إلى الفلاة. ولا تبتئس يا صاحبي فسقف السماء يظلل آلاف الغرباء، والمصابيح الدنيا تضيء البوادي، وتآنس وحشة المسافرين والراحلين.

والجبال الشامخات على جوانب الدنيا، والتلال النافرات كالأمواج، ستحنو عليك مثل أمك، ولسوف تقص عليك فصلًا من فصول الغابرين. ودوح النخيل في كل صحراء، وتلك الغابات والبحيرات والينابيع البكر، ومراتع الأنعام في كل وادي.

فخذ متاعك يا صاحب الحقيبة وارحل، واغبط نفسك على وحدتك وابتهج لذلك، فأنت بغير وحدتك لا شيء.

أنت لا شيء بغير حزنك، وآلامك، وأشجانك، ودموعك التي تهمي كالمطر.

أنت لا شيء بغير قلبك الذي وسع من لم يسعه شيء.

يا صاحب الحقيبة، ولدت وحيدًا، وتعيش وحيدًا، ولسوف تموت وحيدًا على ظهر كوكبٍ في ملكوت الله الواسع.

رقم الايداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت