فلو أنني وقد تركت يدي ممدودةً في كل مكان، أجدها تقفز على كفي وتعزف على أصابعي، ثم ترتعش تلك الارتعاشات الأليمة.
لكنني وأنا ألهث من خلفها في كل الفجاج، أرتطم بالجدران تلو الجدران فأنكسر كالفخار القديم.
أتحشرج في لغتي، أتنفس من شجني، أتورم في بدني.
ولقد أبصرتها في كل مكان، حتى كأنما لا مكان، والكل واحد، حتى كأنما لا وجوه، والوجه واحد.
لكنني أتوجع كالحبلى، والمخاض عسير، والليل ما ينفك يلتهم البرايا، والساهرون في كل عشقٍ زادهم ينفد بعد حين.
والآهة اللهباء تخرج من رئتي، لكأنني أتنفس من قاع بركان، لكأنني أتكلم حين أبكي فأسد بِعَبراتي فراغات الوحشة والسكون، لكأنني أبدو ولا أبدو، وأكون ولا أكون.
إني لم أعد أحتمل البوح أكثر فعندما يبوح العاشق الكتوم، يزداد في قلبه الوجيب، ولم يزل معرضًا لسكته البوح حتى يكف عن الكلام أو يصبح في الغابرين.
قلت حدثني عن السعادة.
قال ستخرج من كوخك الحقير ذات يوم، ولسوف تسحبك الدروب التي تسحر من يمشي عليها، ويُفتن بما يرى.
انظر إلى ذلك القصر ذي الشرفات العالية، يا لحجارته الضخمة الملساء، ترى منذا الذي ابتناه، وأي الأكف استطاعت قطع هذه الصخور الكبيرة. ومنذا الذي صفها وأعلاها حجرًا فوق حجر، وصخرةً فوق صخرة، بل كيف استوت أعمدته الغليظة، وغرفاته وشرفاته الواسعة.
انظر... إنك لتخال أن جنيًا ضخمًا، كان يطير إلى تلك الجبال البعيدة عند آخر الدنيا، فيجمع حجارتها وصخورها على عجل، ثم ينقلب مسرعًا وينخرط في رصفها حجرًا على حجر، حتى استوى لديه هذا الصرح الرهيب وتأمل نوافذه وأبوابه الثقيلة الضخمة، لكأنها السدود في مضايقٍ الأنهار، وانظر إليه كيف يبدو لعينيك من بعيد، وهو يعتم أطراف السحاب، والضباب يلفه بأضوائه، فكأنه مبني على تلال الشفق.
وإذ ترنو إليه من مكانك البعيد، تراه يطل مزهوًا بقامته على بحيرة واسعة الضفاف، ومن خلفه وأمامه تقوم بساتين الكروم والتين، مسيجةً بأشجار الصنوبر والسرو.
وانظر هؤلاء هم حراسه وخدمه وحشمه يروحون ويجيئون ممتلئين بغبطة المكان، ربما كان بعضهم يحمل أطباق الطعام والحلوى، وبعضهم يحمل مزهوًا أوعية الخمر وكؤوس الشراب.
هل ترى المدعوين يملؤون المكان، يفترشون المروج الخضراء، ويدخلون عبر الأبواب والدهاليز الكثيرة، ثم يخرجون وهم جماعات يمسك بعضهم ببعض رجالهم ونسائهم، فاليوم يوم احتفال.