فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 3

ثامنًا: الربط المتكلف: وذلك حين يعمد إلى كلام هنا وكلام هناك، فيربط بينهما برابط، ويخلص إلى نتيجة معينة، غير حقيقية، ومن ذلك: إلزام الشخص بآراء مدرسة فكرية أثنى عليها في موطن، أو استشهد ببعض عباراتها في آخر. إن هذا المسلك دفع بكثير من الناس إلى ترك الاستشهاد بأقوال بعض المعاصرين حذرًا من أن يوصم بأنه على منهجهم أو خطهم، وهذا مظهر من مظاهر التخلف الفكري الذي نعاني منه.

تاسعًا: التصحيف وركاكة الفهم: والتصحيف أمر معروف لدى المحدثين، فقد يقرأ الراوي الكلمة قراءةً خاطئةً، أو يسمعها سماعًا خاطئًا، فحديث احتجر النبي صلى الله عليه وسلم موضعًا في المسجد رواه أحد الرواة احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد. ومن التصحيف ما يكون في الفهم، وأحيانًا يكون السبب ركاكة الفهم، فبعض الناس كما يقال: أقول زيدًا ويسمع عمرًا ويكتب خالدًا.

من وسائل العلاج:

إن ذكر الأسباب يختصر علينا خطوات كثيرة في علاج الظاهرة، لذا سنشير هنا إشارات عاجلة وموجزة لبعض خطوات العلاج:

حسن الظن بالمسلمين: وهو منهج شرعي أخل به كثير من المسلمين اليوم، بل نرى بعضهم يتشبه بهدي الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فالمجرمون والطغاة والمفسدون في الأرض يتأول لهم ويجد لهم ألف عذر وحجة، أما إخوانه فلا يمكن أن يجد لهم تأويلًا.

إن الواجب على المسلم حين يرى ما قاله أخوه يحتمل أمرين أن يحمله على أحسن محمل، فيقول -على سبيل المثال - فلان قال هذا لكن هذا القول لا يليق به فلا أتصور أنه يقصد كذا أو يريد كذا، فلعله يريد الأمر الآخر. وحين أحسن الظن بفلان، وأكتشف بعد أنه على خلاف ظني، فما النتيجة؟ إنها التزام الأدب الشرعي وسلامة القلب للمسلمين. ومما لايقبل بحال أن يكون مصدر الحكم على إخواننا المسلمين مانقرأه في الصحف، أو نسمعه من وسائل الإعلام السيئة، أو ينقله عنهم النمامون والوشاة، وكم جربنا على هؤلاء الكذب والتضليل.

الابتعاد عن تتبع عورات المسلمين: فمن تتبع عورة إخوانه المسلمين؛ تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته، وتتبع الزلات والعورات والأخطاء وتصيدها مظهر من مظاهر مرض القلب. إن البشر لا بد أن يقعوا في الخطأ أيًا كانوا، وحين لا نسأل إلا عن الزلات والأخطاء فلا بد أن نصل إلى مثل هذه النتائج.

الأمانة والانضباط في النقل: وذلك بأن تسعى لأن تنقل الكلام بلفظه وحروفه قدر الإمكان، ثم بعد ذلك من حقك أن تذكر فهمك، لكن يجب أن يعلم الجميع أن هذا فهمك وليس هذا ما يقصده من نقلت عنه. ولابد أن يرتفع مستوى فهمنا، فنفرق بين مايرويه الثقة من مواقف الناس، وبين فهمه لها وتفسيره؛ فالأصل في قول الثقة أن يقبل، أما فهمه واستنتاجه فليس بالضرورة كذلك.

الجمع بين المتفرق: إنه من العجب أن يلزم شخص بعبارة قالها وهو قد صرح بنفيها في موضع آخر، ومن الأمثلة على ذلك مانسب إلى سيد قطب رحمه الله، وهو رجل أديب والأديب يستطرد-وهنا أذكركم بما ذكرنا آنفًا من أنه لابد أن تضع في ذهنك طبيعة الشخص الذي تريد أن تقيمه- فحين قال رحمه الله في تفسير سورة الإخلاص عبارة توهم أنه يرى وحده الوجود، فجاء البعض وقال: إنه يرى وحدة الوجود، بينما هو صرح في موطن آخر بانتقاد أصحاب وحدة الوجود بالاسم، وانتقاد ما هم عليه. ألا يعطيك هذا الكلام قناعة أن الرجل لا يعتقد هذا وإلا لما صرح به؟ لهذا يجب أن ندرك شخصية الإنسان إذا أردنا أن نحكم عليه وعلى منطلقاته.

هذه خواطر عاجلة حول هذا الموضوع، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا وإياكم الزلل في القول والعمل ... آمين.

من محاضرة:'سوء الفهم آفة' للشيخ/ محمد الدويش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت