الصفحة 12 من 26

المجتمع معاول هدم لبناء أي مجتمع من المجتمعات التي قام بناؤها في اصل وجودها علي دعائم اجتماعية سليمة، ثم انحرف بها قادتها وسائقوها في قافلة الحياة عن سنن الله البنائية وتركوا في سيرهم بها جواد الطريق وسلكوا بنياتها في متعرجات الصخور والأوحال الاجتماعية فارتطموا في هوة الانحلال الخلقي وغاصوا الي مهالك الفناء في عملية طفو وانحسار قد تطول وقد تقصر تبعا لقوة عناصر البناء الأصيلة لهذا المجتمع أو ضعفها وتغلب عوامل التحلل عليها.

والقرآن الحكيم ينبه الي سنة من سنن الله في تصوير الآخذين بزمام المجتمع والانحراف به الي منحدرات الرذائل الخلقية، وحمله بالقدوة السيئة علي الانحراف معهم تقليدا - إذا أراد الله أخذهم استئصالا، أو أخذهم تأديبا - فتقودهم شهواتهم الي مزالق الخبائث كفرا وإلحادا أو إلى مزالق الخبائث الإجتماعية رذائل وانحدارا مع أحط الشهوات فيقول (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) ويقول (وإذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا) فهاتان الآيتان الكريمتان بينتا أن سنة الله التى تخضع لسلطانها المجتمعات في مراحل الانحدار والفساد تبين أن هذا الانحدار إلى هاوية الفساد والانهيار يبدأ من تفتت القمة الاجتماعية في الأمم والشعوب، وفساد القمة نذير صارخ بافساد المجتمع، وهذا الافساد اذا وقع لا يخص جانبًا أو طائفة، وانما ينصب عامًا شاملًا مغرقًا.

وتزيد الآية الثانية أن الترف عامل من أقوى وأسرع وأخبث عوامل التفتت الاجتماعى وانحلال روابط المجتمعات البشرية، لأن الانغماس في مراتع الشهوات واشباع الغرائز المنهومة يميت الشعور بالنخوة ويقتل الاحساس بالعزة والغيرة، ويجعل الرذائل من مؤلفات الحياة في هذه المجتمعات المنحدرة إلى هاوية الانهيار بل يجعل الزذائل ميدانًا للتنافس الفاجر فلا يهتم احد برفع رأسه انكارًا لها بل يجد المجتمع في كبرائه المترفين من ينكر على من ينكر هذه الرذائل، وتصبح الفضائل الخلقية والقيم الروحية غرائب في نظر هذا المجتمع المنحل المتحلل، وعندئذ تحق عليهم كلمة الله وتحل بهذا المجتمع عوامل الفناء، يقول الله تبارك وتعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الارض الا قليلًا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مااترفوا فيه وكانوا مجرمين 0 وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) وهذه الآية يلوح من اشراقها ان الله تعالى جعل من سنته أن يأخذ بالافساد الاجتماعى واشاعة الفواحش والشرور أسرع مما يأخذ الكفر والاشراك به، كما أنها تبين أن أهل الخير والصلاح لو قاموا بواجب النهى عن الفساد في الأرض بصدق واخلاص وشجاعة في الحق وللحق لنجا المجتمع وسلم من انتقام الله وبطشه، لان سنته تعالى ألا يهلك الناس هلاك استئصال بكفرهم ماداموا صالحين للحياة المستقيمة، وجزاء الكفر يقبل التأجيل الى الدار الآخرة، ولكن جزاء البغى والفجور والفساد في الأرض معجل في هذه الحياة موفور في الآخرة. فالله تعالى جعل من سنته في المجتمع ألا يترك الظالمين دون عذاب معجل فقال عز شأنه (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت