كأنّ مراوحته هذه هي حالة المراوحة بين (الألوهة والأنسنة) كما يسميها، إنّ الرقصة الدورانية للسيد المسيح وحوارييه قبل أن يساق إلى الصلب ترمي إلى الارتباط بالألوهة لأن دأب الألوهة الدوران، وهو الذي ينفخ في المزمار ليحرك الألوهة في حوارييه، لأن الألوهة التي تحركت في (وليد وفي مريم) نتيجةٌ لألوهة (وليد) التي مصدرها النشيد الكنسيّ للعذراء والدة المسيح، إذًا فالمزمار تنفخه الأنثى العذراء المقدسة للوصول إلى سرّ الاجتماع بين الأنثى (مريم الصفار) غيرِ العذراء البديل المعوض عن العذراء وبين الرجل"الذكر" (وليد مسعود) .
لقد كانت رقصة وليد تمهيدًا وفاتحة لانفجار عنيف في مريم الصفار خلق في داخلها عالمًا يعود بنا إلى جزء من عوالم السفينة في ترميز الصخرة، تعود مرة أخرى الصخرة إلى الظهور ولكن، هنا، بشكل مختلف نسبيًا عنه في السفينة. والمشهد السابق الذي روته مريم في فصل (مريم الصفار تتعلق بصخرة تسكن أعماقها) يوضح هذا الانفجار.
ثم تتساءل (مريم) محاولة تفسير رمزيّة الصخرة لديها، وتتساءل عن مصدر العنفوان الداخلي الذي تفجر فيها وتطرح أسبابًا تريدها أن تكون هي المصدر؛ لأنها تطمئنّ إليها فترى أن السبب الأول ربما يكون البحث عن الوجود، بمعنى التأكد من الوجود والتثبت منه وإخراجه إلى السطح من غوره في أعماق الذات؛ فلابد عندها من الارتباط بجزء من العالم يرمز إليه، يختزله ويجرّده في الذات، وهذا الجزء يجب أن يكون قريبًا من طبيعة المرتبط به ليتم التجانس في الارتباط. والسبب الثاني ربما يكون تلاشيًا، والتلاشي في مثل حالة (مريم) يحقق الوجود وهو يسعى أيضًا إلى الارتباط بالعالم على طريقة المتصوفة (محاولة إيجاد الذات بالآخر المتلاشى به) .