وهذا سلوك مرفوض , بل يُحذَّر فاعله , لأن فيه امتهانًا لكتاب الله تعالى , وسوء أدب معه , فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو أميُّ لا يقرأ ولا يكتب , قال الله تعالى له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [1] , فلا حجة لأحد بعده - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن بغير متابعة , أو يتلوه دون مراعاة أحكام التلاوة , التي قال الله تعالى لرسوله , وأمته من بعده: {وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [2] , وهذا أمر للوجوب والفرضية العينية على كل من يريد تلاوة القرآن الكريم , وأن من لا يلتزم بذلك يأثم إثمًا كبيرًا , كما قال بذلك العلماء , من أمثال ابن الجزري رحمه الله , فقد قال في مقدمته المنظومة في أحكام تلاوة الكتاب العزيز: «
والأخذ بالتجويد، حتم لازم ... من لم يُجوِّدالقرآن آثم
لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضًا حلية التلاوة ... وزينة الأداء والقراءة
وهو إعطاء الحروف حقها ... من صفة لها ومستحقها
وردُّ كُلّ واحد لأصله ... واللفظ في نظيره كمثله
مُكَمَّلًا مِن غير ما تَكَلٌّف ... باللطف في النطق بلا تعسف
وليس بينه وبين تَرْكه ... إلا رياضة امريء بفكه»
وهذا الذي ذكره ابن الجزري- رحمه الله تعالى- تبع فيه كثيرا قبله , ولم يكن بدعًا من القول , فقد قال بذلك الخليل بن أحمد , وعاصم بن أبى النجود الكوفي , وابن كثير القارىء , والفراء , والزجاج , وغيرهم , ثم إنه عين سمت المؤمن الحق الذي به يميز الإيمان من الكفر , وأن من لم يلتزم بأحكام التلاوة عمدًا فهو كافر , لأنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه , قال الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [3] ,وحق التلاوة الذي هو عنوان الإيمان , وضده الكفر هو تلاوة كتاب الله العزيز كما أنزله الله تعالى, وتدبر آياته والتفكر فيها, كما قال الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [4] , وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [5] .
أما آداب التلاوة , فهي التي ينال القارىء الملتزم بها الثواب من عند الله تعالى وهى باختصار:
أ- الطهارة الحسية بالوضوء , أو بالغسل من الجنابة , أو الحيض , أو النفاس , فإن تلاوته عبادة محضة تفتقر إلى الطهارة الحسية الكاملة , كما قال الله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [6] , قَسَمٌ من الله عظيم , على قداسة وطهارة كتابه العزيز , وأن ذلك يستلزم أن يقابل بالمثل , فلا يُمَسّ إلا على طهارة , وبالتالي لا يقرأ إلا على طهارة , وهذا شرط عام في التلاوة.
ب- الطهارة المعنوية من الرياء , والسمعة , والعجب , والكبر , والفخر , والنفاق , والمنّ , والأذى , وسوء الأخلاق , والشقاق , ونحو ذلك من محبطات الأجر في الدنيا والآخرة , وهو ما يعنى وجوب الإخلاص التام لله تعالى على القارىء الذي يريد الثواب في الآخرة , قال الله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَات اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [7] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك , من عمل لي عملًا أشرك معي فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك) [8] .
ج- تحسين الصوت بالتلاوة , مع التغني به , بما لا يخرج عن الأوجه التي ذكرها العلماء لمراتب القراءة , وهي: التحقيق , والترتيل , والتدوير , والحدْر , ولا بأس لمن يقرأ لنفسه في نفسه أن يسرع لأكثر من ذلك , قال - صلى الله عليه وسلم: (ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن) [9] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍّ حَسَن الصوت يتغنى بالقرآن يجْهرُ به) [10] .
أما اللحن فيه فإن كان تعمدًا ففاعله كافر , وإن كان عن سوء تعلُّمٍ , أو عن غير تلق عن شيخ ثقة , فيأثم فاعله بالتقصير في التعلم , أما ما يقع على سبيل التعْتَعَةِ في التلاوة بعد التلقي أو أثنائها فليس من هذا القبيل.
(1) القيامة / 16 - 19.
(2) المزمل / 4.
(3) البقرة / 121.
(4) النساء / 82.
(5) محمد / 24.
(6) الواقعة / 75 - 80.
(7) النساء / 114.
(8) حسن صحيح, رواه ابن حبان, وغيره.
(9) صحيح , رواه البخاري.
(10) صحيح , رواه البخاري وغيره.