الصفحة 11 من 55

وليمش بهما ثابت الجأش، ساكن الفؤاد، واثق الصلة بالله، متوكلًا على الله، راضيًا بقضاء الله وقدره، في حلوه ومره، متواضعا لله، متواضعًا لعباد الله الصالحين، مسلمًا عليهم، باذلًا الأمن والأمان لهم، شجاعًا في الدفاع عنهم، ذا مروءة في رد غيبتهم، عفيفًا عن طرق الحرام، يعف فرجه، ويكف لسانه، غيورًا على حرمات المسلمين، عزيزًا بالله، ذا همة وفتوة، ونجدة ونخوة، واستقامة.

ولا ينقل رجله إلا بنية صالحة، وقصد كريم، وعزم شريف، حتى يحقق بخطاه عددهن حسنات، ومثلهن في عددهن تمح بهن الخطايا، وتحط عنه الأوزار، فيستفيد ثوابًا، ويدفع عن نفسه عقابًا.

ويروض رجله على عدم السعي إلى المنكرات، والخنا، ولا إلى اللهو والهوى، ولا إلى اللغو والبدعة، ولا إلى الذلة والديوثية، ليس بفخور ولا مختال، ولا مغرور ولا محتال، ولا يتيه كبرًا، ولا معجبًا بنفسه، ولا مكابر أو متكبرًا، ولا جاهلًا متجبرًا، ولا طاغيًا ماكرًا، ولا مخادعًا خائنًا، عند ذلك يمكنه أن يكتسب برجله علمًا نافعًا.

والله أعلم.

ولن يحفظ بطنه ما لم يحصن فرجه بالحلال، ويطيب مطعمه ومشربه، ورعًا، وزهدًا، وقناعة، ورضًا، وبالصبر: يتحقق مراده، وبالصدق: يصل وداده، وبالاستقامة: يزين شبابه، وبالاقتصاد: يعظ أصحابه وبالسكينة والوقار: يُهاب

جنابه، وبالخوف والرجاء: ييسر الله حسابه، وبالمراقبة واستمرائها، وبالمجاهدة واستعذابها، وبالمحاسبة واغتنامها: يسهل عليه قياد نفسه، واقتياد هواه، وقطع أسباب الأمل في دنياه، وبتفكره وتدبره في غده: يقطع عنه ملل يومه، وبيقظته وحذره من عدوه: يحجب عن نفسه الغضب وأوضاره، والجهل وأضراره، والطيش وأهواله، والسفة وإخلاله، وببصيرته: يجنب نفسه الظلم وعاقبته الوخيمة، والحمق ونهايته الأليمة، والسرف وخاتمته المليمة، والشطط ومآله إلى بوار، والتسرع ومصيره إلى دمار، وبفراسته: يطلق ديوثته، ويبين شهوته، ويجافي إدمان الذلة والعار، والجبن وشد الزنار، بل ينظر في دينه ما يصلح دنياه، ويأخذ من الدنيا ما يوصله إلى النجاة، ويدخله الفردوس الأعلى في أخراه، فيحفظ بطنه ويحصن فرجه بتقوى الله، ورضا مولاه.

وبكل ما سبق، أو بكل جملة على حدة، استبان لنا أن السلوك والأخلاق وجهان لعملة واحدة، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، ولا يعرف أحدهما إلا بالآخر.

والآن نبدأ معًا في إيضاح تلك السلوكيات المرفوضة في شهر رمضان، وفي العيدين، وأوجه الرفض الإسلامي لها، وما البديل الإسلامي الصحيح من السلوكيات القويمة لتلك السلوكيات المرفوضة.

والله أسأل أن يرزقك الفهم الدقيق لما أريد أن أوصله إليك، كما أساله سبحانه أن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الإسراف في إعداد مائدة الإفطار

يأتي شهر رمضان حاملا معه أريج الجنة، وعبق التاريخ، مسديًا للأمة أجمل آيات الفضائل، وباعثًا في الأمة أروع أفانين البطولة والفداء، وناهضًا بها نحو العلا، وزارعًا فيها جذور البذل والعطاء، وراعيًا غراس الجنة في كل مواطن الإسلام، وربوعه، ودياره.

إنه شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر الطاعات والقربات، شهر الجود والكرم، شهر الفيوضات الربانية، والمنح الإلهية، شهر التجلي الأعظم على الأمة الإسلامية في كل المجالات الدنيوية والأخروية!!

إنه المدرسة العظمى، والجامعة الكبرى، والمعهد العالي الذي يتخرج فيه الأبطال، وينتج منه خبراء الطاقة والحيوية، ويصدر عنه علماء الاقتصاد والاجتماع والنفس، وعباقرة الطب والحكمة، وأساطين الهندسة والفلك، وقادة الرجال، وزعماء الرأي والفكر، في كل المجالات.

إنه بحق جامعة متكاملة، قاعدتها: الإيمان، وأساسها: الصبر، وعمادها: التقوى، وذروة سنامها: جهاد النفس في ذات الله تعالى، مكتوب على بابها: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر!!

إن شهر رمضان شهر يتعلم فيه الناس أروع دروس الاقتصاد المنزلي، وأقوى فنون التنظيم الاجتماعي والصحي، وأذكى طرق المحافظة على المال والوقت، وأسهل الطرق وأعدلها نحو تحقيق الجسم السليم والعقل السليم، الخاليان من كل شوائب الفكر الضال، وعلائق السلوك السيء، وبوائق

الأمراض النفسية، والعصبية، والبدنية، والاجتماعية، وغيرها

ولا يمكن تحقيق ذلك كله إلا لمن جاءه رمضان وهو مهيأ نفسيًا وذاتيًا لاستقباله، محاولًا الاستفادة من كل ما في رمضان من دروس وعبر، ولا يمكن أن يتحقق شيء من ذلك للأصناف الآتية الذين يستعدون لرمضان برصد الميزانيات المالية الكبرى لمواجهة الصوم، والإعداد للموائد الفاخرة التي يتداعون إليها، ويتهافتون عليها تهافت الفراش على النار والنور!!

ولنأخذ المثال الآتي ليوضح المقال، وهو من واقع الحياة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت