لذلك قال:"يصبحوا مُدَّهِنين"حتى تذهب عنهم غُبْرَة الصوم , فيظهرون للناس أنهم لا صوم ولا شيء، وإنما يَسْتَخْفُون بذلك بينهم وبين الله تعالى؛ يكفيهم أن الله تعالى يعرفهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما رَوَى عن ربه: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» , فهو سر بينه وبين الله تعالى، «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [1] .
فيتعلم المرء من الصوم الإخلاص في بقية أعماله [2] ، وشهر"شعبان"شهر المجاهدة على هذا الإخلاص التي يتهيأ بها لـ"رمضان".
نُذَكِّر الآن بليلة النصف من"شعبان"؛ لأنها مما يدخل معنا ... في الاستعداد لـ"رمضان"وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [3] .
وقضية الدخول إلى"رمضان"والخروج منه خروج الرحمة والمغفرة لا بُدَّ وأن يتحقق فيها تلك المغفرة في النصف من شعبان.
تُرى هؤلاء الذين قد دخلوا"رمضان"على القطيعة، وعلى التدابر، وعلى الشِّجار، وعلى البغضاء، وعلى التنافر، وعلى الغِلِّ والحسد، وسوء الأخلاق فيما بينهم. تُراهم إذا دخلوا"رمضان"يُحَصِّلون المغفرة؟!
هم لم يُحَصِّلوها في"شعبان"في الليلة التي يغفر الله فيها لكل أحد إلا المشاحن, فخرجوا من"شعبان"متشاحنين فلا يغفر لهم. تُراهم يُحَصِّلونها في"رمضان"؟! ...
لذلك كان من الاستعداد المهم لـ"رمضان"أن يأتي النصف من"شعبان"فلا يكن بين المؤمنين مُتَشَاحِنٌ .. ولا مُتَبَاغِض .. ولا مُتَقَاطِع .. ولا مُتَدَابِر، يعني: قد انتفت الشَّحناء من بينهم، وانتفت البغضاء، والتقاطع والتَّدابر، كل أحد يُهِمُّه أن يُغفر له, وألا يطَّلع الله تعالى عليهم فيقول: «أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [4] . فيطلع عليهم فيغفر لكل أحد إلا مُشْرِك أو مُشَاحِن.
قد فتح الله - سبحانه وتعالى - هذه الليلة إذًا ليكون حال المؤمن مع الله تعالى حالًا حسنًا يستحق المغفرة في"رمضان"، وأن تكون حال المؤمنين فيما بينهم كذلك تستحق المغفرة، فلا يأتي إذًا هذا اليوم، أو تلك الليلة عليهم إلا وقد صَفُّوا ما بينهم، إلا وقد تسامحوا فيما بينهم، يرجون مسامحة الله، إلا وقد تجاوزوا فيما بينهم؛ يرجون أن يتجاوز الله تعالى عنهم، إلا وقد استسمح كل أحدٍ غيره فيما أتى في حقه؛ إن كان في عِرْضِهِ .. في ماله .. في أي شيء أن يستسمحه إياه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» [5] .
فليتحلَّلْه اليوم .. اليوم! لا ينتظر لغدٍ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] .
(1) أخرجه البخاري (5927) ، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) وكان أيوب السختياني رحمه الله تعالى إذا فَرَقَ قلبُه وجاء الدمعُ قال: ما أشد الزكام؟؟!.
و كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى إذا مَرِضَ يجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء كي لا يتشبه بالشاكين.
وكان النَّخَعي رحمه الله تعالى إذا قرأ في المصحف فدخل عليه داخلٌ غطًّاه.
وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يصلي، فإذا دخل عليه أحدٌ نام على فراشه. وقال الحسن: كان الرجل تأتيه عبرته فيسترها، فإذا خشي أن تسبقه قام من المجلس. انتهى بتصرف من"اللطف و اللطائف"لابن الجوزي رحمه الله تعالى.
(3) أخرجه ابن ماجه (1390) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح الجامع (1819) .
(4) أخرجه مسلم (2565) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(5) أخرجه البخاري (6534) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. وفي رواية الإمام أحمد (2/ 506) : «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ, وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ» قال الشيخ شعيب في التحقيق: إسناده صحيح على شرط الشيخين.