من هنا ولهذا كله بات واضحًا أنه (أولا) لا يمكن أن تنصهر الأمة الإسلامية في الحضارة الغربية مهما اشتدت الضغوط السياسية أو الاقتصاد عليها ذلك لأنه لا يوجد أساسًا عناصر مشتركة تمكن من الانصهار ولكن هناك"ميزة"الإسلام الخالدة وهي القدرة على الانتفاع بكل تراث البشرية القديم والجديد والاستفادة منه باقتباس الصالح منه، واقتباس التنظيمات في الأساس دون النظم وإن كل ما يأخذه المسلمون من الحضارات وهو بمثابة"مواد خام"يشكلها المسلمون في دائرة فكرهم ومجتمعهم، مع الاعتراف الواضح الصريح بأن للمسلمين حضارتهم المستمدة من عقيدتهم وفكرهم ومنهجهم وتركيبهم الاجتماعي الخالص.
ومن هنا فإن مفهوم الإسلام للحضارة يرفض كل محاولات الاحتواء سواء التاريخي المتوهم أو الواقعي للحضارة ونهايتها أو أن الإسلام لم يكن إلا مرحلة، ذلك بأن حضارة الإسلام منذ بزغ نوره وهي حضارة متميزة قدمت للبشرية مفهومًا جديدًا مخالفًا لكل ما سبقها من حضارات وإن محاولة الغرب إنكار الدور الأصيل والرائد الذي قام به الإسلام في بناء الحضارة وتقديم المنهج العلمي التجريبي ورسم الإخاء البشري (كلكم لآدم وآدم من تراب) بعيدًا الاستعلاء الجنسي أو العصبة العرقية. هذه المحاولة لا قيمة لها لأن حقائق التاريخ تؤكدها في كل لحظة.
(2) كذلك فإن الإسلام يرفض تقسيم الغرب للعصور التاريخية المعاصرة لتاريخ الإسلام فالعصور الوسطى مثلا هي عصور الظلام في رأيهم ما دامت أوربا كانت فيها في الظلام متجاهلين أضواء الحضارة الإسلامية على العالم من حدود الصين إلى الأندلس خلال ألف عام كاملة، كذلك فالإسلام يرفض مقولة إن الفكر الغربي هو الفكر العالمي الذي كون العقل الحديث فإن الفكر المادي الوثني قد تصدع وانكشف فساد وجهه بعد أن سقط في متاهات، ووقع في تجاوزات مصدرها عدم الإقرار بمبدأ (ربانية الوجهة) والبعد الإلهي والبعد الأخلاقي للأمم والحضارات.