مسلمٌ عارض ذلك وأنكر أشدّ الإنكار هذا الكلام ونسب قائله إلى الجهل بمذاهب السلف في هذه المسألة، وهذا مما يقع على قلبي أن مسلمًا ما قصد البخاري ولا علي بن المديني، العلماء يقولون مَن يا ترى قصده مسلمٌ بكلامه عندما تكلم بكلام شديد يردّ هذا الشرط؟ فمن قائل يقصد علي بن المديني، ومن قائل يقصد الإمام البخاري، والذي يقع على قلبي أنه لا يقصد واحدًا من هذين، إنما يقصد رجلًا آخرَ نابهًا في عصره، ولكن ليس له شهرة البخاري وليس له شهرة علي بن المديني، وإن كان رجلا محترمًا في علمه، حتى إن مسلمًا انتصب للردّ عليه، ولذلك لم يُسمّه مسلم، بل عرّض به تعريضًا يدل على وضاعة مكانته، وأنه لم يكن معروفا تلك المعرفة في ذلك الزمان، وإن كان رجلًا نابهًا في نفس الوقت وهو يقول: (وقد تكلم بعض منتحلي الأخبار من أهل عصرنا) ولا يقال هذا الوصف لا للبخاري ولا لعلي بن المديني، وإنما يقال كما قلت لرجل نابهٍ وإن لم يكن في الشهرة كهؤلاء.
وأيًا ما كان الأمر، سواء قصد علي بن المديني، أو قصد البخاري، أو قصد هذا المجهول الذي قلتُ إنه يقع على قلبي ذكره، فإن مسلمًا رحمه الله ردّ كلامه ونقل مذهب أهل العلم في ذلك، فقال رحمه الله في مقدمة صحيحه:"والقول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاؤه و السماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة على ما بينا"هذا كلام مسلم الذي نقله عن أهل العلم.