إذا أمكن تأويله فلا معنى مطلقا لتخطئة الثقة العدل الذي أجمعت الأمة على ثقته وعلى عدالته.
... الموضع الثاني- الذي ذكر فيه الفخر الرازي هذا الكلام- قال: قلت لبعضهم: هذا الحديث لا ينبغي أن يُقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز، فقال: فكيف تحكم بكذب الرواة العدول؟
... قلت: لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي، وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام، كان من المعلوم ضرورة"أن نسبته إلى الراوي أولى"- نفس الكلام السابق.
... ونحن لأجل ردّ هذا الخطل الذي لا معنى له، سنسلك في ذلك طريقة أهل العلم في الحديث، الذين هم أهل التخصص، وهم أولى الناس أن يتكلموا في هذا الباب، فانظر إلى الطريقة التي سنسلكها وحاولت تبسيطها على قدر ما أستطيع ثم قارن هل يستطيع واحد من هؤلاء الذين يتكلمون الآن على طريقة الفخر الرازي أن يفهم هذه البحوث فضلا عن أن يفعلها بنفسه؟ أم لا؟
... اعلم أن هذا الحديث مما اتفق عليه البخاري ومسلم، والعلماء يقولون: أعلى درجات الصحيح هو ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم. لأن كتاب البخاري ومسلم لا يخلو من ثلاثة أمور: إما أن يتفق الشيخان على إخراج الحديث، أو ينفرد البخاري عن مسلم، أو ينفرد مسلم عن البخاري.
... هذه ثلاث درجات من درجات الحديث. فقال العلماء: ما اتفق عليه البخاري ومسلم فهذه الدرجة الأولى، ثم ما انفرد به البخاري هذه الدرجة الثانية، ثم ما انفرد به مسلم فهو الدرجة الثالثة، هذا الكلام كلام إجمالي قد يدخله خلل، فربّ حديثٍ قد تفرّد به مسلم أقوى من حديث تفرد به البخاري، لكن هذا الكلام [السابق عن الدرجات] كلام أغلبيّ، وإنما قدّموا البخاري على مسلم لأن البخاري أمتن من مسلم وأستاذ مسلم وشرطه أضيق من مسلم- كما قد قلنا قبلا- فأعلى شيء البخاري ومسلم إذا اتفقا على الحديث. هذا الحديث مما اتفق عليه البخاري ومسلم وانفرد البخاري ببعض وانفرد مسلم ببعض.