وإلا فهنالك من الأنبياء، والقدرة تحوطهم، ومع هذا قد يأتي أحدهم- يوم القيامة- وليس معه أحد، وفي هذا عزاء أيما عزاء لكل العاملين الذي يستبطئون النصر.
(عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقال: عُرضت عليّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبيُ معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد [1]
وإدراك (التوكل) ليس بالأمر السهل لأنه من مقتضيات الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك شُعَبهُ تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، فالمؤمن يدرك القدر وسريانه، والقضاء وجريانه بحدهما الأدنى، ولكن التوكل بمعناه الأعلى وإدراك (كنز العجز) مرحلة من التوفيئ لا يوصل لها إلا بالطاعات، وترك الهوى، واجتناب الشهوات،
وقد قال الفضيل بن عياض: (من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق) [2]
وكان الأنبياء السابقون على هذا المنهج تنال منهم (البأساء) بالشدة والفقر والمسكنة، وتضييق جهات ا لخير، (والضراء) بالآلام والأوجاع وضروب ا لخوف، وانفتاح جهاز ا لشر، وينال منهم (ا لزلزال) بأنواع ا لبلايا والرزايا، تم مع هذا ينتظرون النصر، ويتساءلون عنه- دون شك أو ارتياب- لأنهم بذلوا من الجهد أقصاه، ومن العمل نهايته، فيأتيهم النصر إذ وصلوا إلى مرحلة العجز إلا من فضل الله وقوته.
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و ألا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معها متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب) [3]
(فبينّ سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله، والناس رجلان: رجل يقول أنا مؤمن به مطيعة ، فهذا لابد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه...)
ثم يقول شيخ الإسلام لجماعته عن اللذة التي يحصل عليها المرء عند معرفته الله بعد الإمتحان والبلاء، واكتشافه الكنز الذي سماه اللذة والسرور، فيقول متحدثًا عن سجنه:
(1) متفق عليه
(2) روضة المحبين / 479
(3) البقرة 214