ولعل هذا المعنى_ يعود لنا _ مرة أخرى من قصة الهدهد، فهذا النبي الذي أوتي من كل شيء تقريبًا، وسخر له الجن والإنس، ظهر ضعفه أمام الهدهد، ورد عليه، وتصاغرت عنده نفسه، وهو يشعر باحتياجه للطير الضعيف، بل ودافع الهدهد عن نفسه، ونافح عن تغيبه بحجة بليغة..
(ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمّة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه، وتنبيهًا على أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علمًا بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ولكون لطفًا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علمًا أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم...) [1]
وبالمناسبة، يشار هنا إلى معنى ملازم، وهو ضرورة استيعاب المربين لهذا المعنى، واحترام ما يصل إليهم من إبداع الأفراد، وأفكار الأتباع، وإيجابيات الدعاة، ويدعموا ذلك بالإعانة، ويتمنوا لهم التوفيق، ويباركوا ذلك بالتشجيع، ما دام ضمن مسيرة العمل الصالح، اقتداءً بالأنبياء والمرسلين، وعدم الوقوع بفتنة العجب، أو الإعتزاز بالرأي، أو الحرص على رأي معين، فالحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى بها، أنَى وجدها...
اقتراحات على الطريق
ولا يمكن _ أخيرًا _ في هذه العجالة تسجيل الخطط والأعمال، التي يمكن أن يقوم بها الداعية، وإنما هو التذكير وحسب، بما ينبغي له من حصر ذهنه، والبحث عن مجالات الأداء، ولكن يمكن ذكر ما يمكن أن يقيس عليه، مما يغنيه عن انتظار الخطط، أو توقع الأوامر:
? ففي مجال تقوية الإيمان، عمل كل ما يؤدى إليه، من زيارة القبور، وحضور المساجد، أو الإعتكاف فيها، وقبل ذلك تلاوة القرآن وحفظه، بل وفي الدرجات الدنيا، التفكر في خلق الله، والتأمل في مصالح الدعوة،
(1) للزمخشري في الكشاف 3 / 143