كما أن الإيمان مرتبط بصحة النية، وسلامة القصد، وعدم حصول الهوى،أو غلبة الشبهة، لأن اتباع الهوى يضل عن السبيل، ويقعد عن العمل الصائب، وشعور المؤمن بأن عمله لله- تعالى- يدفعه للمعالي، ويفجر مكنوناته، و يستسهل الصعب فيه، و يتجاوز العقبات له، وتتكون العزيمة التي تدفع كل حواسه، وتظهر كل طاقاته على شكل عمل مثمر وبناء، وكما أن صحة النية مهمة، فإن الانشغال بالعمل الصالح، وترك الشهوة، هو الآخر يقود إلى تفتح البصيرة، وترك الباطل، والتمتع بلذة الطاعة، وينمي القوة في طاعة الله، ويقوي الإبصار في الحق، وكل من صحة النية وصواب العمل، وإن كانا مما يقوي إيجابية المؤمن، فهما بنفس الوقت بحاجة إلى إيجابية، ولكنها سنة الحياة، فالعمل يدفع إلى العمل، والحسنة تقود إلى الحسنة، والحركة تولد الحركة، والطاعة تجلب الطاعات، وهذا من فضله تعالى على العباد.
وعليك بحفظ الهمة
ويبقى العامل المهم في حياة الدعاة، وهو الإحتفاظ بالهمة، وكان الجنيد البغدادي- رحمه الله- يوصي الداعية بذلك.. فيقول:
(عليك بحفظ الهمّة، فإن الهمّة مقدمة الأشياء) .
والاحتفاظ بالهمة مسارعة للخير، فاغتنام الصحة قبل المرض، والنشاط قبل الفتور، والحياة قبل الموت، والغنى قبل الفقر، مراحل حاسمة في تاريخ الإنسان، وبينهما مراحل أقل، ومفاوز أصغر، يعظنا المصطفى- صلىْ الله عليه وسلم- بالأكبر، ليستدل بها على الأقل، ولذلك يقول الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا
( إذا فتح أحدكم باب خير، فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه ) [1]
أودية بقدرها
(1) سير أعلام النبلاء 4/ 540