وقد تعني ما يقع في آخر الدنيا، حتى لا يبقى من المسلمين إلا القليل، وهذا يكون بعد الدجال، ويأجوج ومأجوج، عند قرب الساعة، وحينئذ يبعث الله ريحًا طيبة، فتقبض أرواح المؤمنين، ثم تقوم الساعة [1] .
ويقابل الغربة الواقعة في الأمة، الوعدُ بفرقة ناجية، والوعدُ بطائفة منصورة، والوعد بتجديد الدين لهذه الأمة، والوعد بالخير الكثير الطيب لهؤلاء الغرباء، من الفرقة الناجية، أو الطائفة المنصورة، أو غيرهما، وهو بعض المعبر عنه في الحديث بـ"طوبى للغرباء".
وقد كان ما لقيه المؤمنون الأولون من عون الله، ونصره، وتأييده، وتسخيره الناس - مؤمنين، وغير مؤمنين -؛ لحماية الغرباء في مكة، ثم في الحبشة، ثم في المدينة، حيث لقوا من الإعزاز والإكرام ما لقوا؛ كان ذلك جزءًا من هذا الوعد.
وما حصل لهم من الأذى الدنيوي كانوا يعوضون عنه - عاجلًا - من لذة الإيمان وحلاوته، ما ينسيهم مرارة الأذى، وكان يحصل لأعدائهم من الشر أضعاف أضعافه [2] ، وكذلك الغرباء بعدهم، وعدهم صلى الله عليه وسلم بالنجاة، في حين أن غيرهم هالكون [3] ، ووعدهم بالظهور والنصر على من خالفهم [4] ، ووعدهم بما هو أعم وأشمل من ذلك كله، وهو الخير الكثير الطيب، الذي تدل عليه كلمة"طوبى"، الواردة في حديث الغربة، وهي تشمل خيري الدنيا والآخرة.
وقد كان الحديث عن الغربة، وأهلها، وأحكامها؛ من الموضوعات المهمة التي يتطلع المسلم الغريب - في هذا الزمان، وفي كل زمان - إلى معرفتها، والأنس بأخبارها، والفهم الصحيح لأحكامها، حتى يعبد ربه على بصيرة.
(1) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (18/ 296) . وسيأتي مزيد تفصيل لذلك إن شاء الله تعالى.
(2) انظر: الفتاوى: (18/ 294) .
(3) كما في حديث الفرقة الناجية، وسيأتي تخريجه ودراسته والكلام على معانيه في رسالة مستقلة بإذن الله تعالى.
(4) كما في حديث الطائفة المنصورة، وسيأتي تخريجه ودراسته والكلام على معانيه في رسالة مستقلة بإذن الله تعالى.