الصفحة 504 من 583

ولا شكَّ أن"الحكمة"التي يأمر الشرع بها في الدعوة والأمر والنهي، تعني التصرف بالطريقة المناسبة، في الوقت المناسب، وفى المكان المناسب.

يقول الإمام ابن القيم [1] - رحمه الله:"وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد [2] ، ومالك [3] : إنها معرفة الحق، والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان" [4] .

والحكمة - بعبارة أخرى - وضع الأشياء في مواضعها، وهذا يعني المسالمة إذا كان الأمر يقتضي السلم، والمحاربة إذا كان الأمر يقتضي الحرب، واللين إذا كان الأمر يقتضي اللين، والشدة إذا كان الأمر يقتضي الشدة، والخلطة إذا كانت المصلحة في الخلطة، والعزلة إذا كانت المصلحة في العزلة.

فليست الحكمة هي الرفق واللين والمسالمة فحسب! ولا هي الاعتزال وطلب السلامة فحسب؛ بل قد يكون هذا نوعًا من العجز يبحث عن"مسوغ"في دعوى الحكمة وكما قيل:

ووضع الندى في موضع السيف في العلا

مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

وقال آخر:

يرى الجبناء أن العجز عقل

وتلك سجيَّة الطبع اللئيم

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من أوتي الحكمة، وعمل بما تقتضيه، فكان يواجه غربته وغربة الإسلام بالعمل والموقف المناسب، وينتقل من مرحلة إلى أخرى بحسب المصلحة، وكان يضع السلم في موضعها [5] ، واللين في موضعه، والشدة في موضعها.

(1) هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الحنبلي، ولد سنة (691 هـ) ، واشتغل بالعلم، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وبرع في علوم الشريعة وغيرها، وأفتى وألّف، وشهد له الأئمة بالفضل والعلم. توفي رحمه الله سنة (751 هـ) .

انظر: الدرر الكامنة (4/ 21) ، الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (447/ 2) .

(2) مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج المخزومي، روى عن جمع من مشاهير المفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، ولد في خلافة عمر سنة (21 هـ) ، وتوفي بمكة وهو ساجد سنة (102هـ) .

انظر: التهذيب (10/ 42) ، طبقات المفسرين (2/ 305) .

(3) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، أبو عبد الله الأصبحي، المدني، ولد سنة (93 هـ) ، وطلب العلم وهو حدث، وروى عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، والزهري، وهو صاحب مدرسة في الحديث والفقه متميزة متبوعة، توفي رحمه الله سنة (179 هـ) .

انظر: السير (8/ 48 - 135) ، ترتيب المدارك (1/ 104 - 193) ، (2/ 13 - 225) .

(4) التفسير القيم، ص (227) .

(5) (*) هكذا، وصححها سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز حفظه الله: موضعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت