تمهيد:
إن التوجيهات الشرعية كلها إنما نزلت لهداية الإنسان إلى السلوك السليم في المواقف المختلفة التي يتعرَّض لها في جميع مراحل حياته.
ولا يمكن أن تخرج حالة من حالات الإنسان -بصفته الفردية، أو الجماعية- في شؤونه الخاصة، أو العامة، عن أن يكون لله -تعالى- ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فيها حكم [1] .
فالدين"مهيمن"على جميع جوانب حياة الإنسان، والعبد لا ينفك عن عبوديته لله في لحظة من لحظات حياته.
وإذا كانت حياة الفرد تتقلب في مراحلها المختلفة بين أحوال متفاوتة من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف .. وغير ذلك، فإن لكل حال من هذه الأحوال أحكامًا تخصها، وتدور معها حيث دارت.
وإذا كانت حياة الجماعة أو الأمة تتقلب بين القلة والكثرة، والاستضعاف والتمكين، والنصر والهزيمة ... فإن لكل حال من هذه الأحوال الجماعية أحكامًا تخصها، وتدور معها حيث دارت.
وكثير من الأحكام الشرعية رتبت على مقدمات وأسباب، توجد بوجودها، وتنتفي بانتفائها.
ومن التوجيهات والأحكام التي يبرز فيها التغير - بحسب الظرف المحيط بالمكلف، فردًا كان أو جماعة - ما سبق بحثه وتقريره من أمر الجهاد والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يقابلها من الاعتزال، وترك الأمر والنهي والجهاد، أو الاستسرار بالدين، أو التقاة ونحوها مما يتعلق
(1) انظر: الغياثي للجويني، ص (431 - 434) وإعلام الموقعين لابن القيم: (1/ 332 - 339) وغيرهما.