الصفحة 170 من 583

فلما دعا والسيف بالكف مصلت له

أسلموا، واستسلموا وأنابوا

فإن جميع البيئات لا تخضع للحق المجرد من القوة، الأعزل من السلطان، وكل أمر يراد حمل الكافة عليه، في أي عصر، وفي أي بيئة، فلابد له من قوة.

وليست القوة التي تكره الناس على الدخول في الدين؛ بل القوة التي تظهر للناس حقيقة الدين، وتزيل الضغوط التي تحول بينهم وبين الإيمان به، وتهيئ الجو لتقبل الحق، ثم تخلي بين الناس وبين أنفسهم: يؤمنون، أو لا يؤمنون [1] .

ولهذا بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم عقب استقراره بالمدينة يرسل السرايا المسلحة تجوس خلال الصحراء المجاورة، وتخترق طريق القوافل المارة بين مكة والشام، وتستطلع أحوال القبائل الضاربة هنا وهناك [2] .

وكانت المدينة مهددة بالهجوم عليها من قبل البدو الضاربين حول المدينة، أو من قبل قريش المهددة في اقتصادها؛ بل في مكانتها وكيانها، فكان المسلمون على استعداد دائم للدفاع عن أنفسهم.

حتى إذا كانت الأحزاب، وانصرفت جموع الكفار عاجزة عن تحقيق أي انتصار، انتقل المسلمون إلى الجهاد الهجومي، وتجاوزوا مرحلة الدفاع.

عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حين أجلى الأحزاب عنه:"الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" [3] !

هكذا كان، فلم تتلق المدينة بعد هزيمة الأحزاب أي هجوم، وصارت السرايا والبعوث، والغزوات تنطلق منها إلى كل حدب، حتى فتحت مكة.

وهذه الوسائل- وغيرها- تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الفرد المؤمن الجاد

(1) من المعلوم أن من دخل في الإسلام ثم خرج منه فهو مرتد حلال دمه وماله لحديث:"من بدّل دينه فاقتلوه"رواه البخاري.

(2) انظر: فقه السيرة للغزالي: ص (227) ، وراجع ما سبق في أول هذا الفصل.

(3) رواه البخاري في: 64 - كتاب المغازي، 29 - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب: (5/ 48) .

والإمام أحمد في المسند: (4/ 262) ، (6/ 394) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت