الصفحة 162 من 583

وهذه الأسباب: زمانية ومكانية لا تعدو أن تكون تلمسًا لبعض الحكم الإلهية في توقيت الدعوة، وتحديد مكانها.

ولكن ثمة جانب آخر مهم في مراعاة عنصري الزمان والمكان، وهو الجانب المتعلق باجتهاد البشر وجهدهم في تحديد الزمان المناسب، والمكان المناسب، وهو في السيرة باب واسع أكتفي بالإشارة إلى بعض أمثلته.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من أسلم من القبائل الأخرى أن يستخفي بإسلامه ويقول:"فإذا سمعت أني قد ظهرت فأتني"كما حدث لعمرو ابن عبسة حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: إنى متبعك:"إنك لا تستطيع يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني" [1] ، ومثله أبو ذر رضي الله عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم:"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" [2] .

وذلك لأن توقيت إعلانهم الإسلام في الساعة التي أسلموا فيها غير ملائم، وإنما ينبغي أن يذهبوا إلى قومهم، وينشروا الإسلام بينهم، حتى تحين الفرصة المناسبة لجمع الأتباع في موطن واحد.

وحين أسلم أول نفر من الأنصار، كانوا من الخزرج، ولم يكن الإسلام قد فشا في المدينة، فلو حدثت الهجرة لما كان للحيين -الأوس والخزرج- عليه جماعة، ولربما واجه مصاعب جمة في مهاجره [3] .

ولذلك تربص الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتشر الإسلام في الأوس والخزرج، واطمأن إلى ملاءمة الأحوال، فهاجر.

وحين بايع صلى الله عليه وسلم أصحاب العقبة الثانية، حدث ما يرويه عبد الله بن كعب: عن كعب بن مالك في قصة البيعة قال:

(1) سبق تخريج الحديث.

(2) سبق تخريج الحديث.

(3) انظر: دلائل النبوة للبيهقي: (2/ 431) وسيرة ابن هشام (2/ 70 - 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت