سلسلة دراسات إسلامية معاصرة
أنور الجندي
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت
الطبعة الأولى
1402 هـ - 1982 م
###3### الأدب
إن خصائص الأدب العربي التي تميزه عن الآداب العالمية المختلفة في الشرق والغرب ترجع إلى البيئة التي نشأ فيها، والمفكر الذي تشكل في إطاره، والتحديات التي واجهته في طريق مساره الطويل، وقد نشأ الأدب العربي في الجزيرة العربية إلى قرون عديدة سبقت الإسلام، وصاغته مقومات دعوة التوحيد الأولى"الحنيفية"حين قام هذا المجتمع الجديد في قلب الجزيرة بجوار بيت الله الحرام، فجمع بين جنوب الجزيرة وشمالها ووسطها، وصهرها جميعًا في ذلك البناء الذي أقامه الإسلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حفيد إبراهيم وإسماعيل، ولا ريب أن الإسلام هو الذي أعطى العرب كيانهم الاجتماعي، والقرآن هو الذي صاغ لهم منهج الأدب العربي، ولقد كان قبل الإسلام شعر وأدب وأسواق، ###4### وكان الشعر ديوان العرب ومجموعات من سجع الكهان، غير أن صورة الأدب في معالمه الأصيلة، إنما وضحت بعد نزول القرآن الذي كان العامل الأعظم في بناء الأدب، وظهور فنونه وعلومه ومناهجه، والذي أغنى اللغة العربية بالأساليب والمضامين، ولا ريب أن اللغة العربية سابقة على الإسلام، وهي عماد وجود الأمة العربية، وهي لغة تطورت، ونمت خلال مئات السنين حتى وصلت إلى صورتها التي عرفت بها قبيل الإسلام، وإن ظلت لها لهجاتها المتعددة، فلما نزل القرآن انصهرت اللغة العربية في لهجة واحدة، ثم كان أن أعطاها القرآن - كما أعطى الأدب العربي - هذا البيان المعجز الفائق - الذي فهمه العرب، وأعجبوا به، وعجزوا في نفس الوقت عن الإتيان بمثله. ولقد كان لميراث النبوة في إسماعيل: جد العرب، وبقايا الحنيفية"دين إبراهيم"قيم خالطت النفس العربية، قامت على الأريحية والمروءة، وإن أصابها كثير من فساد عادات الثأر، ووأد البنات، والشرك وعبادة الأصنام، والاستعلاء