فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 20

ومما يستحق الذكر أن العرب لم يتركوا شيئًا، لم يستنبطوا له اسمًا في لغتهم كالمعدة والهواء والجوهر والشخص والأفق وخسوف القمر وكسوف الشمس والصدى والعرش والسفر والشاعر والقصيدة إلى غير ذلك، فإن هذه الأشياء مع كون أكثرها طبيعيًا ومحسوسًا، وما فيها من أخص ما يتعلق بعيش الناس العمرانية، لا تجدها لها أسماء في كثير من اللغات المعروفة، فاضطر أصحابها إلى أن يسموها بأسماء أعجمية، فإن اللاتين والسريان والجرمانيين وسائر الأمم ###39### الإفرنجية يسمون تلك الأشياء بأسماء يونانية إلا واحدًا أو اثنين منها اتخذوه من اللاتينية، هذا عدا الألفاظ الاصطلاحية المختصة بالعلوم والصناعات، فإن هذه كلها إلا قليلا قد أخذها جميع الأمم من اليونان ما عدا العرب، ومما يتبين من باشروا فنون أدب لغتهم في القرن الأول من تملكهم على بلاد المشرق، نالوا في قليل من الزمان الغاية من ذلك، ومنذ أول مباشرتهم، وضعوا أصول علم النحو، ورسموا اصطلاحاته، وتوغلوا فيه، وتفننوا في دقائقه حتى إنهم في قليل من السنين، أوصلوه إلى غاية الكمال وفي كل ذلك لم يحتاجوا إلى كتب أجنبية، ولا إلى ألفاظ أعجمية، وفي هذه الخلة، قد فاقوا سائر أمم العالم، ويقول الدكتور عبد الكريم جرمانوس: إن أهم المميزات التي تلفت النظر في اللغة العربية هو"ازدواجها"ويقول وليم مرسيه: إن العبارة العربية كالمزهر إذا نفرت أحد أوتاره رنت لديك كل الأوتار، فالعبارة عن المتانة ما لا يبقى معه شيء يحجب مصدرها عن الناطق بها أو المستمع لها، وبذلك كان اللفظ في اللغة العربية يذكرك بالأرومة التي اشتق منها، ولعل هذا الشعور العميق بالمصدر يفوق شعورك باللفظ عينه. ويقول يوهان فك: ###40###"لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد التالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها إلى زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر، ولم تخطئ الدلائل، فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت