مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها، نبتت في وسط الصحاري عند أمة من الرحل، ###35### وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في أطوار حياتها، لا طفولة ولا شيخوخة، ولا تكاد تعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعلم شيئًا عن هذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدريج، وبقيت حافظة لكيانها خالصة من كل شائبة، ونستطيع أن نضيف إلى ما قاله رينان: أنها منذ نزل بها القرآن، وانتشرت به أزاحت السريانية والكلدانية والنبطية والآرامية واليونانية والقبطية قبل أن ينقضي قرن واحد، فلما بلغت القرن الثالث الهجري تحولت إليها كل أعمال الدين والدواوين، ثم كتبت بها اللغات التركية والفارسية والأوردية والأفغانية والكردية والمغولية والسودانية والأيجية والساحلية كما كتبت بها لغة أهل الملايو، وقد حدث هذا منذ ألف عام، ثم دخلت اللغات الأوروبية كالفرنسية والألمانية والإنجليزية، وفي اللغة الإنجليزية وحدها أكثر من ألف كلمة عربية.
وما تزال قواميس اللغات الأوروبية تعج بالكلمات العربية، سواء منها ما يتعلق بالحاجات اليومية أو الأطعمة أو الألبسة أو الملاحة.
وهي من الناحية العلمية تفوق أضخم ثروة ###36### وأصواتًا ومقاطع، إذ أن بها 28 حرفًا مكررة، بينما اللغة الإنجليزية 26 حرفًا، ومنها مكرر، وباللغة العربية ثراء في الأسماء بها 400 اسم للأسد، و300 اسم للسيف، و255 للناقة، و170 للماء، و70 للمطر. ولقد كتب القصاص المشهور جول فيرن في إحدى قصصه الخيالية عن قوم شقوا في أعماق الأرض طريقًا إلى جوفها، فلما خرجوا سجلوا أسماءهم باللغة العربية، فلما سئل عن سر ذلك قال: لأنها لغة المستقبل.