ولم يكن من المعقول أن يقبل بسهولة ما دعا إليه فلاسفة المادية من الاقتصار على العلوم المادية دون التعاليم الدينية، أو من القول بأن الدين قد أضر بالإنسان والمجتمع، أو أن العلوم الطبيعية هي أهم العلوم البشرية، فقد كان ذلك كله ###120### نقلا غير موفق لما يجري في محيط له ظروفه الخاصة وتحديداته الواقعة مما ليس موجودًا في البيئة العربية الإسلامية بتاتًا، ولا هي في حاجة إليه، وفي هذا يقول العلامة محمد فريد وجدي: إن الفلسفة المادية لا تستقر إلا حيث يخلو لها الجو من النقد العلمي الصحيح، والرقابة العلمية الدقيقة لأن أهلها كثيرًا ما يعتمدون على المغالطات والسفسطات، فيسوقونها باسم العلم، وما هي منه، فإذا صادقت نفوسًا خلت من حقائق العلم أضلتها ودفعت بها إلى أقصى حدود التطرف، والمذهب المادي فلسفة لا علم، وفرق كبير بينهما، فالعلم يرود بوسائله مجاهيل هذا الوجود الضخم، وبدون العلاقات الموجودة بين ظواهره منها، ويصم الأشباه والنظائر، ثم يبذل وسعه ليجد النواميس العاملة في كل طائفة منها، وهو يحلل المواد ليعرف عناصرها الأولية، أما الفلسفة فهي جهاد من العقل وراء إدراك الحقيقة الكلية للوجود، وقد دخلت منذ نشوئها إلى اليوم في أطوار كثيرة، فبعد أن كانت تعتمد على العقل وحده، أصبحت اليوم تعتمد عليه، وعلى العلم أيضًا، ومن هذا الطريق وصلت الفلسفة إلى ما وصفت نفسها بالطبيعة، وهي التي يعتمد عليها المذهب المادي إلى الحكم بأن الوجود مادة ###121### محضة، ومحكوم بنظام آلي لا يختلف وأن ما يسمى عقلا وروحًا وعواطف، إنما هي حالات راقية من المادة، وليس لها وجود خاص تستمده من ينبوع سواها.