"وفي قول الصديق عن خالد: عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد [1] ،وسام شرف لخالد، واعتراف بالجميل، ورفع لأهل البلاء والفضل والهمم العالية، ودفع لأصحاب الهمم الضعيفة ليضاعفوا من جهودهم وينافسوا على معالي الأمور ومكارمها [2] وهذا القول من أبي بكر وكان أعلم بالرجال -أعظم شهادة، وأجل تقدير يناله رجل في تاريخ الإسلام، فالصديق وهو خليفة المسلمين الأعظم لا يرى لخالد - رضي الله عنه - في الناس عدلًا في عبقريته وشجاعته، ولا نظيرًا في بطولته ومهارته." [3]
2 -2 - 5 - خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ينتصر على الفرس في العراق ويفتح الحيرة [4] :
"علم مرزبان الحيرة بما صنع خالد بأمغيشيا فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشًا بقيادة ابنه وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك."
نهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان و لقي جندًا لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماء سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة، وعلم المرزبان بموت ابنه، فهاله الأمر فعبر الفرات هاربا من غير قتال فعسكر خالد مكانه، وأهل الحيرة متحصنون، وأدخل خالد الخيل من عسكره وتمت خطته حول قصور الحيرة, وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام فإن أجابوا قبلوا منهم، وإن أبوا أجلوهم يومًا، وأمرهم أن لا يمكنوا عدوا منهم بل عليهم أن يناجزوهم و لا يمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة وعمدوا لرمي المسلمين بالحذف [5] ،فرشقهم المسلمون بالنبل، وشنوا غاراتهم، وفتحوا الدور و الديارات فنادى القسيسون: يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور: يا معشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا- وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد، وتصالحوا مع خالد على الجزية في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها.
وكتب خالد في عهده لأهل الحيرة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد ابن الوليد عديا وعمرا بن عدي، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة، وحيرى بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، و
(1) المصدر السابق (4/ 175)
(2) التاريخ الاسلامي (9/ 144) .
(3) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 403 - 405
(4) الحِيرَةُ: بالكسر ثم السكون، وراءٍ: مدينة كانت على ثلاثة أَميال من الكوفة على موضع يقال له النَّجف زعموا أَن بحر فارس كان يتَّصل به (انظر معجم البلدان للياقوت الحموي , باب الحاء , كلمة حياوة)
(5) الحذف: الرمي بالحصى عن جانب والضرب عن جانب.