يقول الله تعالى: يا محمد، هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم فتلقاهم بوجه عبوس، وتغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين لا يستطيعون حراكًا، ولا استنصارًا ولا فكاكًا مما هم فيه؟
أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاءً ومصيرًا على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها ولهم فيها ما يشاؤون من الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس، ومساكن، ومراكب، ومناظر، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد، وهم في ذلك خالدون أبدًا، دائمًا سرمدًا، بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء، ولا يبغون عنها حولًا، وهذا من وعد الله الذي تفضّل به عليهم وأحسن به إليهم، ولهذا قال: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا} أي لا بد أن يقع وأن يكون، وأنه وعد واجب" [1] ."
عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَثَلث مَا بَعثَني الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ كمَثَلِ الغيْثِ الكثيرِ، أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنهَا نَقيةٌ قَبِلَتِ المَاءَ فأنْبَتَتِ الْكلأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ أمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهِ النّاسَ فِشَرِبُوا وَشَقَوا وَزَرَعُوا، وأصَابتْ مِنهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنّما هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبتُ كَلأً، فَذَلِك مَثَلُ مَنْ فَقِه فِي دين الله وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمَثلُ مَنْ لم يَرْفَعْ بِذلك رأسًا ولَمْ يقْبَلْ هُدَى الله الذِي أرسلتُ بِهِ" [2] .
في هَدْيهِ سُبُلُ الحيَاةِ كريمَةٌ ... خُطّتْ لَنَا مِنْ خَالِقٍ دَيَّانِ
هُوَ خالِقٌ هُوَ مُبْدعٌ هوَ مَنْ لَنَا ... وَضَعَ السَّبِيلَ بأحسَنِ التِّبْيَان
قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] هذه أكبر نعمه الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى
(1) تفسير ابن كثير (3/ 311) .
(2) رواه البخاري (79) ، ومسلم (15/ 46) بشرح النووي.