124 -... وَمَا ذاكَ إلا أنَّ خَمْرة حُبِّهَا
لتسْلبُ عَقْلَ المَرْءِ منْهُ وَتصْلِمُ [1]
125 -... وأعْجَبُ منْ ذا أنَّ أحْبَابَهَا الأولى
تُهينُ وُللأعْدا تُراعِي وَتُكْرِمُ [2]
والعجب كل العجب أن الإنسان يرى ويستشعر الأمور العظيمة والمخاطر الجسيمة، ثم إن حب الدنيا قد أذهب عقله وسيطر على أحاسيسه؛ فانغمس فيها ولا يفكر في غيرها.
وسبب ذلك أن حلاوتها وزخارفها وجمالها (الظاهر فقط) قد ذهب بعقول من افتتن بها، فجلبتهم إليها وقطعتم فيها تقطيعًا.
وأكثر عجبًا مما تقدم! أن الدنيا تهين من تعلق بها وتُذل من أكرمها.
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته جعل الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) [3] .
فهذه الدنيا من جعلها همه لازمه الهم طوال حياته، ومن تركها وأشغل نفسه بالآخرة، أتته الدنيا رغم أنفها؛ فهي كمال المصنف: ترعى وتكرم من عاداها، وتذل وتهين من كان من أحبابها.
(1) تسلب: تختلس، أو تأخذ خلسة. تصلم: تستأصل قطعًا.
(2) تراعي: تحسن، وراعيته: لاحظته محسنًا إليه.
(3) رواه أحمد: 5/ 183، وابن ماجه: 4105، وغيرهما. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح. [والحديث صحيح، يراجع السلسلة الصحيحة، 950، المجلة] .