الصفحة 48 من 48

د- محاولة إحياء المعتقدات المجوسية من مزدكية ومانوية وغيرهما، وتمريرها إلى بعض الفرق الإسلامية مثل الإسماعيلية [1] ، والقرامطة [2] ، وهذا ما أشار إليه بقوله: إن سر هاتين الطائفتين يعود إلى المزدكية [3] .

وهكذا نجده يحلل مقاصد أعداء الإسلام وينبه المسلمين إلى الخطر المحدق بهم، سابقًا بذلك كثير من العلماء قدامى ومحدثين وقد وجدنا في عصرنا الحاض من يتبنى هذا الراي ويدافع عنه منهم على سبيل المثال عبد الفتاح المغربي [4] ، وأحمد شلبي [5] ، وقحطان الدوري [6] من المسلمين، ودوزي وملر [7] من المستشرقين.

2 -الأسباب الاجتماعية: نبه ابن حزم مبكرًا إلى العوامل الاجتماعية التي أسهمت في ظهور بعض الفرق، فالخوارج بنظره:"كانوا أعرابًا قرأوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء ولا الصحابة" [8] ، فهم حاولوا نقل جفاء البادية إلى سماحة الإسلام فوقعوا فيما وقع فيه:"ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضًا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها" [9] .

وهذا يدل على النظرة الشمولية التي نظر بها ابن حزم لهذا الفرقة، بحيث استطاع أن يقدم لنا تعليلًا مقنعًا لسبب ظهورها، وهذا يدل على عمق تفكيره، وصدق حدسه.

3 -الأسباب الفكرية: ومن الأسباب المهمة التي أدت إلى ظهور الفرق في نظره في الناحية الفكرية، ونجده على هذا يعد اليهود على رأس هذا الاتجاه، ويرجع إليهم نشوء بعض مذاهب الباطنية في الإسلام، كما فعلوا ذلك في النصرانية، فدسوا فيهم من حرف دينهم وشوه عقيدتهم [10] ، وفي رأيه يرجع سبب ظهور الغلاة من الشيعة إلى كيد عبد الله بن سبأ اليهود [11] الذي تظاهر بالسلام ليضل من يستطيع إضلاله من المسلمين [12] ، وقد ناقش كلام ابن حزم هذا عدد من الباحثين المعاصرين [13] ، ولم يكتف اليهود (بنظره - بسلك هذا الجانب فقط، بل اتخذوا سلاح الفكر

(1) الإسماعيلية: طائفة من الشيعة قالت بإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، واختلفوا فيه، فمنهم من قال أنه مات ومنهم من قال بل أظهر موته تقية، واشتهرت هذه الفرقة أيضًا باسم الباطنية، ينظر معتقداتهم عند: البغدادي:"الفرق بين الفرق" (265 - 299) ، الشهرستاني،"الملل والنحل"، (1/ 330 - 345) ، وقد اعتنى بدراسة هذه الفرقة برناردلويس، أصول الإسماعيلية، ترجمة خليل أحمد جلو، جاسم محمد رجب (القاهرة 1962) .

(2) القرامطة: نسبة إلى رجل من سواد الكوفة يقال له قرمط، لهم مذهب مذمومة وظهروا سنة (281هـ) في خلافة المعتضد، وطالت أيامهم وعظمت شوكتهم، انظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، (2/ 146 - 150) .

(3) الفصل، (1/ 87) ، (2/ 274) .

(4) عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية (القاهرة 1988) ، (ص 147) .

(5) أحمد شلبي، حركات فارسية مدمرة ضد الإسلام والمسلمين عبر العصور (القاهرة، 1988) ، (ص 57) .

(6) الدوري، الحركات الهدامة، (ص 26) .

(7) بوليوس فلهاوزن، أحزاب المعارضة السياسية في صدر الإسلام، الخوارج والشيعة، ترجمة عبد الرحمن بدوي (القاهرة 1958) ، (ص 240 - 241) .

(8) الفصل، (4/ 237) .

(9) الفصل، (4/ 237) .

(10) الفصل، (2/ 89 - 90) .

(11) هو من يهود اليمن، وقد أظهر الإسلام لغرض الكيد بأهله، رحل إلى الحجاز والبصرة والكوفة ودمشق، وأظهر مقالات خبيثة منها القول برجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وألوهية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إليه تنسب الطائفة السبائية، وهم من غلاة الشيعة، ينظر ابن حزم، الفصل، (5/ 36) ، الشهرستاني الملل والنحل، (1/ 289 - 291) . وقد اعتنى بدراسة هذه الشخصية وأثبتت بكونها حقيقة: محمد سليمان العودة، عبد الله بن سبأ واثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام (الرياض، 1985) ، (38 - 52) .

(12) الفصل، (1/ 325 - 326) .

(13) ينظر بهذا الخصوص ما كتبه العودة، عبد الله بن سبأ، (53 - 104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت