أقول: قد احتج بعض أهل العلم بتخصيص الآية والآيتين بحديث ابن عباس عن أبي سفيان، أن هرقل دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد .. فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [1] أقول: والاستدلال بهذا الحديث على جواز قراءة الآية والآيتين فيه نظر من وجوه:
الوجه الأول: أنه قد قيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب هذا الكتاب إلى هرقل قبل نزول آية آل عمران {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ... } [آل عمران:64] .
أي فلم تكن حينئذ من القرآن، لأن نزول الآية قيل إنه في قصة وفد نجران، وقصة أبي سفيان وقعت قبل ذلك بثلاث سنين، فعليه لا يتم الاستدلال بهذا الحديث.
الوجه الثاني: أننا لو فرضنا أن الآية نزلت متأخرة، وقصة أبي سفيان وقعت بعد نزول الآية أو أن الآية نزلت مرتين، فليس في الحديث دليل ظاهر على أنه قصد التلاوة وإذا لم يقصد التلاوة فليس هناك شئ يمنع من ذلك.
الوجه الثالث: لو فرضنا أنه قصد التلاوة، فهذا من باب الحاجة، فلا يمكن دعوتهم إلا بذلك، فلا يكون دليل على تخصيص الجواز بالآية أو الآيتين إنما يقيد بالحاجة. وعلى جميع هذه الأوجه الثلاث لا يتم المطلوب لمن رخص في قراءة الآية أو الآيتين مطلقًا ومنع ما عدا ذلك والله أعلم.
(1) انظر فتح الباري: 1/ 39. وتفسير ابن كثير: 1/ 379 - على قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) .