اظهار الطاعة نفاقا. وليس يمكن أن نقول: إن كل من عمل بخلاف النص بعد النبي صلى الله عليه وآله كان في أيامه عليه السلام منافقا غير عارف به، لأن في من عمل بخلاف النص من عاد إلى الحق وتاب من القول بخلاف النص. وفيهم من مات على جحده، فمن مات على جحوده هو الذي نقطع على أنه لم يكن قط له طاعة ولا ايمان. ومن لم يمت على ذلك لا يمكن أن نقول بذلك فيه [1] .
.إن ظاهر هذه الآية (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) لا تقتضي أن السبق المذكور فيها إنما هو السبق إلى اظهار الإيمان والاسلام واتباع النبي صلى الله عليه وآله، لأن لفظ (السابقين) مشتركة غير مختصة بالسبق إلى شئ بعينه. وقد يجوز أن يكون المراد بها السبق إلى الطاعات، فقد يقال لمن تقدم في الفضل والخير: سابق ومتقدم. قال الله تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون) فإنما أراد المعنى الذي ذكرناه، وقال تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) ويكون معنى قوله تعالى (الأولون) التأكيد للسبق والتقدم والتدبير فيه، كما يقال: سابق بالخيرات أول سابق. وإذا لم يكن هاهنا دلالة تدل على أن المراد بالسبق في الآية إلى الإسلام فقد بطل غرض المخالفين وإذا ادعوا فيمن يذهبون إلى فضله وتقدمه أنه داخل في هذه الآية إذا حملنا على السبق في الخير والدين احتاجوا إلى دليل غير ظاهر الآية، وأنى لهم بذلك. ثم إذا سلمنا أن المراد بالسبق في الآية السبق إلى الإسلام والايمان بالنبي صلى الله عليه وآله فلا بد من أن يكون الآية مشروطة بالاخلاص وأن يكون الظاهر كالباطن، فإن الله لا يعد بالجنة والرضوان من أظهر الإسلام وأبطن خلافه. ولا خلاف بيننا وبين مخالفينا في أن هذا الشرط الذي ذكرناه مراعى في الآية، وإذا كان لا بد من مراعاته فمن أين للمخالف أن القوم الذين يذهبون إلى تعظيمهم وتفضيلهم ممن أظهر السبق إلى الإسلام كان باطنهم كظاهرهم، حتى يستحق الدخول تحت الوعد بالجنة والرضا من الله تعالى [2] .
(1) - رسائل المرتضى، الشريف المرتضى، 1/ 336
(2) - رسائل المرتضى، الشريف المرتضى، 3/ 88