الصفحة 21 من 80

يرى البعض أن الحضارة عبارة عن استقرار، وإنتاج مادي، ووجود ديني في المجتمع. فكل مجتمع تتوفر فيه هذه العوامل يقال عنه أنه قد أنشأ حضارة. فإذا كان المجتمع وثنيًا لا يؤمن بأي دين من الأديان يُطلق عليها مدنية ولا يطلق عليها حضارة.

ونرى أن الأمر فيه سعة كبيرة. فعند العقلاء أن كل مجتمع استقر ونمى عالم أفكاره بشكل من الأشكال، وأبدع في مجالات العلم والعمران البشري يوصف بأنه قد نمت عنده حضارة، صغرت أم كبرت. فالحضارة عكس البداوة. ولأن الشيء بنقيضه يُعرف كان لابد من تعريف البداوة أولًا. فالبداوة مصطلح يطلق على البدو الذين يعيشون في قبائل بالصحراء، والبربر الذين يسكنون الجبال في جماعات عشائرية وأسرية، والتتار الذين يسكنون السهول في عصبيات قوية. وهؤلاء جميعًا لا يخضعون لقوانين متحضرة ولا تحكمهم سوى حاجاتهم وعاداتهم. فهم قوم رحَّل لا يستقرون في مكان وبالتالي تفتقد البداوة التراكم المعرفي والفعلي فيبدأ البدوي من حيث بدأ أبوه، لا من حيث انتهى.

إن لاستقرار الإنسان ونضجه دورًا كبيرًا في إيجاد ناتج تراكمي لجهده في حقبة من الزمان، وبنظرة واحدة لتراث الإنسان على الأرض، سنجد أممًا كثيرة خلّفت وراءها آثارًا عظيمة في العمران، والفلسفة، والقانون، والدين، والصناعة، والتجارة والفنون بقيت شاهدًا على أن هؤلاء قد خرجوا من طور البداوة والارتحال، إلى طور الاستقرار والعطاء. وكل أمة خلفت خلفها تراثًا شاهدًا على قدراتها فقد دخلت طور التحضر، مثل الحضارة الفرعونية وما خلفته من آثار وكتابات وحياة مدنية وفلسفات وعمران وفنون .. إلى غير ذلك، وقل ذلك عن الحضارات المشرقية الأخرى، وقل ذلك عن الحضارات التي قامت في اليونان أو روما .. إلخ. فهل نحتاج إلى كثير عناء في تصور معنى الحضارة؟ أو إلى فلسفة طويلة حول المصطلح؟!

نشأة الإنسان والهجرات البشرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت