كان ( يسلُكُ في التعليمِ أساليبَ تربويةً كثيرةً ، ما أرْوَعَها وأوقَعَها في النفوس ، فتارةً يضربُ لهم الأمثلةَ ، وتارةَ يستخدِمُ الإشارةَ الحسيةَ ، كأن يحكي فعلَ شخصٍ ما ، وتارةً يُلَغِّزُ لهم ليُنَشِّطَهم ، وتارةً يقصُّ عليهم من أحوالِ الأمم الماضيةِ ، ليكونَ في ذلك عبرةً لهم ، وتارةً يعلِّمهم عَمَليًا ، بأن يفعلَ هو ما يريد فيتابعونه عليه ، وتارةً يسألهُم عن الشيء ، ولم يسألوا عنه ثم يجيبُهم ، وتارةً يُجيبُهم على سؤالهم بأكثرَ مما أرادوا لأجلِ فائدةٍ عظيمةٍ لهم ، وغير ذلك كثير وهذا كلُّه مع الرأفةِ والرحمةِ واللينِ وعُذْرِ الجاهلِ بجهله ، والاهتمامُ بتعليمه ، ولم يقتصِرْ هذا على الرِّجالِ فقط ، بل إنه ( اهتمَّ أيضًا بتعليمِ النساءِ ، وبذَلَ لهنَّ من وقتِه وجَهدِه ، والأمثلةُ على ما ذكرنا مبثوثةٌ في السنةِ الصحيحة ، نذكر منها على سبيل المثال:
عن ابنِ عمرَ ( عن النبيِّ ( قال:"إن من الشجرِ شجرةً لا يسقُطُ ورقُها ، وإنها مثلُ المسلم ، حدِّثوني ما هي"؟ قال: فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي . قال عبدُ الله: فوَقَعَ في نفسي أنها النخلة . ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسولَ الله ؟ قال: هي النخلة(99) .
وعنْ معاويةَ بنِ الحَكَمِ ( قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ( ، إذ عَطَسَ رجلٌ من القومِ فقلتُ: يرحمُكَ الله ، فرماني القومُ بأبصارِهم ، فقلت: واثُكْلَ أمِّياه ما شأنُكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربونَ بأيديهم على أفخاذِهم ، فلما رأيتُهم يُصَمِّتُونَني ، لكني سكتُّ . فلما صلى رسولُ الله ( ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيتُ معلمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه ، فوالله ما كَهَرَني ، ولا ضربني ولا شَتَمَني ، قال:"إن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيءٌ من كلامِ الناس ، إنما هو التسبيحُ ، والتكبيرُ ، وقراءةُ القرآن". أو كما قال رسولُ الله ((100) .