الصفحة 96 من 98

وهو مجتمع نظيف ليس فيه من الزبد ما يطفو على وجهه، ولا من الأقذار والمشاكل ما يعكر صفوه، مجتمع لا ترفع فيه قضية واحدة خلال عام كامل في زمن أبي بكر.

وهو مجتمع غني ... يجمع يحيي بن سعيد صدقات إفريقيا في زمن عمر بن عبد العزيز الزكاة وينادي شهرا كاملا ليأتي مستحقوها لأخذها ولم يتقدم أحد، فأمره عمر أن يشتري رقيقا ويعتقهم.

وهو مجتمع متراص متضامن لا خلل فيه ولا جيوب، فلا يستطيع أي جسم غريب أن يتخلل فيه أو أن يعيث فسادا، ولقد حاول ملك غسان أن يراود كعب بن مالك في أزمته التي وصفها القرآن؛ (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) .

في هذا الوقت الذي قاطعته المدينة بأسرها، كما يقول كعب في رواية البخاري عنه: (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ... ) .

يقول كعب: (فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه في المدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وأن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضا من البلاء، قال: فيممت به التنور فسجرته به) .

إنه مجتمع عجيب حقا، يعجز ملك غسان أن يستميل إلى جانبه رجلا منبوذا منه، تنكرت له الأرض التي عليها يعيش، وتنكر له الناس الذين عاش وشب بين ظهرانيهم.

وهو مجتمع أفراده على قلب رجل واحد منهم، ملتفون حول قائدهم، يتحركون بإشاراته، ويضحون لمجرد نظرة من الأمير.

هذا المجتمع الذي قاطع كعب بن مالك حتى عن رد السلام والكلام، قاطعة حتى لم يعد يحظى بكلمة واحدة من أي فرد من أفراده، وذلك بمجرد كلمة سمعها المجتمع من الرسول القائد صلى الله عليه وسلم.

ودعنا نستمع إلى الإمام الأعظم -أبي حنيفة- وهو يعبر بكلماته القليلة عن معنى الطاعة في أعماقه للأمير، فلقد منعه المنصور من الإفتاء، وفي إحدى الليالي جرح أصبع ابنته، فجاءت تسأله عن تأثير الدم على وضوئها، فقال: اسألي حمادا، فلقد منعني أميري من الإفتاء، وما كنت لأعصي أميري بالغيب.) [ص 73 وما بعدها] .

-نصيحة د. عبد الله عزام لكل مسلم أن يقرأ كتاب أبي الحسن الندوي (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)

(ومن هنا تأخر نزول التشريع إلى المدينة حتى تستقر العقيدة في نفوس الصحب الكرام الذين جعلهم الله ستارا لقدره، ونصر هذا الدين على أيديهم. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه:(ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) . تحت عنوان: (انحلت العقدة الكبرى) -وأنتهزها فرصة لأنوه بقيمة هذا الكتاب فلو قرأه كل واحد من المسلمين، وحبذا لو احتوته كل مكتبة) [ص 16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت