ثم يأتي في المرتبة التالية بعدها نظام كان يطلق عليه ديوان المظالم، والذي يطلق عليه في عصرنا هذا المحكمة الدستورية العليا. وهذا النظام يقوم على حماية الفرد العادي ومؤسسات الدولة من جور ذوي الجاه والسلطان.
ثم يأتي نظام ثالث وهو نظام الحسبة ليقوم بحماية المجتمع الإسلامي من الداخل، والاهتمام بصورته النقية الناصعة، ليكون مثالًا ونموذجًا لبقية المجتمعات.
أعمدة البناء
إذًا في قمة البناء الجهاد وديوان المظالم ونظام الحسبة. وفي قاعدة البناء العقيدة والعبادة والأخلاق. وبالإضافة إلى ذلك لم يترك الإسلام فرعًا من فروع الحياة - كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والإعلام
والصحة والقانون وغير ذلك - إلا وأدلى بدلوه فيه، فيضع له بعض الضوابط، وينظم فيه بعض القواعد حتى يضبط الحركة فيه. هذه الفروع تمثل أعمدة البناء التي تربط بين قاعدته وقمته.
من هذا البناء المتكامل نشأ في وعي المسلمين أن هناك منظومة إسلامية قيمية كاملة - لها كينونتها، ولها شخصيتها، ولها تجلياتها في أرض الواقع - تمت ممارستها عبر القرون. وتضعف هذه الممارسة أحيانًا، وتقوى أحيانًا، ولكنها في وعي المسلم تمثل نظامًا كاملًا للحياة يُستهدى به، ويُسترشد به، ويُقاس به الصواب من الخطأ.
... في ظل هذا الوعي بالذات، ينشأ وعي بالآخر المغاير. فحيث وجد وعي بالذات وتصور لها، فكل ما هو خلاف الذات وخارجها له تصور آخر ووضع آخر. وتلك معضلة كبيرة تقف أمام عمليات الهيمنة على المجتمعات
الإسلامية، فهي مجتمعات لها منظومتها القوية التي لا تسمح لها بالذوبان في المنظومات المغايرة. وهي بذلك تختلف عن مجتمعات أخرى منظومتها القيمية هشة، ويمكن استيعابها داخل منظومة الحضارة الغربية.