الخطأ الأول
قوله (الإرجاء اعتقاد أنه لا يضر مع الإيمان معصية) [1] .
قلت: هذا التفسير باطل لأنه حصر للعام في بعض أفراده وتغيير للمطلق بالمقيدة , والباعث عليه هو الدفاع عن الماتريدية , فإنهم قائلون بنوع من الإرجاء.
فجاء المصنف ففصر الإرجاء بحيث لا يتناول إرجاء الماتريدية , مع أن الصواب: أن إرجاء الماتريدية من أوضح أنواع الإرجاء وتفصيل أن يقال: إن الإرجاء أربعة أقسام:
الأول: إرجاء غلاة الغلاة من المرجئة الجهمية الأولى , فالإيمان عندهم مجرد المعرفة بالقلب , وإن
أظهر الكفر بلسانه , وإن الاعتقاد والإقرار والأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان , وأنه لا يضر مع
الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة , فالشيطان وفرعون وقارون وهامان وأمثالهم , مؤمنون
عندهم.
الثاني: إرجاء الغلاة وهم المرجئة الكرامية فالإيمان عندهم هو الإقرار باللسان فقط , وأن الاعتقاد والأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان فالمنافق مؤمن عندهم في الدنيا , ولكنه مخلد في النار عندهم في الآخرة.
الثالث: إرجاء الغلاة في جهة دون جهة , وهم جمهور الماتريدية , والأشعرية الكلابية , فالإيمان عندهم هو التصديق بالقلب فقط , غير أنهم جعلوا الإقرار شرطًا لإجراء الأحكام الدنيوية [2] فقط.
الرابع: إرجاء المرجئة من الفقهاء كحماد وتلميذه أبي حنيفة وغيرهم من أهل الرأي.
فالإيمان عندهم هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان , ولكن العمل خارج عن حقيقة الإيمان , وإرجاؤهم خفيف جدًا لا يترتب عليه فساد كبير [3] .
(1) بذل المجهود 18/ 199.
(2) شرح ضوء المعالي ص19 - 20 , والتمهيد لأبي المعين النسفي ص26/أ , والعمدة للنسفي ص17/أ , وشرح العقائد النسفية ص121 , وشرح المقاصد 5/ 178 - 179 , والمسايرة مع المسامرة ص334 , ونشر الطوالع ص374 - 375 , والجوهرة المنفية ص3. وإنما قلت جمهور الماتريدية لأن بعض الماتريدية ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار صرح بذلك التفتازاني في شرح المقاصد 5/ 176 , وشرح العقائد النسفية ص120.
(3) راجع مقالات الأشعري 132 , 279 , وشرح الطحاوية 273 , وكتاب الإيمان لابن منده 331 - 338.