و الفرق الثاني هو أن الزهد من باب الترك المجرد و عدم الرغبة فقط لكن ليس له موقف يوجب النفرة من هذا المزهود فيه فهو لا يتوسع في المباحات يأخذ ما يكفيه من الدنيا دون توسع و دون تعلق في حطامها لكن دون نفرة و معاداة لها و أما الورع فإنه يعني الترك كما أنه يعني المنافرة لأن هذا الأمر قد يضره في الآخرة فهو يجافيه و ينفر منه غاية النفور فصار الورع أبلغ من هذه الجهة من الزهد، الزهد ترك مجرد و الورع ترك مع النفور..هذان فرقان بين الزهد و الورع .
ثالثًا: هل الورع أمر سلبي أو أنه أمر ايجابي لعله يتبين من خلال ما سبق من قولنا إن الورع يوجب نفرة فهذه النفرة هي عمل قلبي أي أن الورع قلبه ينفر و ينقبض من هذا الشيء المشتبه أو من هذا الشيء المحرم و لا يحبه بل يكرهه كراهة تليق بمثله إن كان محرمًا فإنه يكرهه كراهة المحرم و إن كان مكروهًا فإنه يكرهه كراهة المكروه و إن كان مشتبهًا كرهه الكراهة اللائقة بذلك و لهذا نجد أن بعض العلماء رحمهم الله يقول هذا أكرهه.. أكره كذا و ذلك على سبيل التورع من هذا الشيء إذن الورع ليس أمرًا سلبيًا و هو أن يترك الشيء و يتجنبه و إنما هو أمر ايجابي يوجب نفرة في القلب فضلًا عن مجانبة لهذا الأمر الذي يتورع منه الإنسان و قد صرح بهذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه إذن الورع هو اجتناب الفعل و اتقائه و الكف و الإمساك عنه و الحذر منه و هذا يرجع إلى كراهة هذا الشيء و النفرة منه و البغض له، هذا أمر وجودي و ليس أمرًا سلبيًا فحسب فلا يسمى الشخص ورعًا و لا متورعًا و لا متقيًا إلا إذا وجد منه الامتناع و الإمساك الذي هو ضد المنهي عنه إضافة إلى نفرة القلب من هذا الشيء