وكان يومه يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية) (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحًا شديدًا ونزلت (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) (صحيح البخاري ج2/ص676)
-وفي هذا دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن؛ لأن المنع من الأكل بعد العشاء أو بعد النوم ولو كان قبل العشاء، إنما تقرر بالسنة لا بالقرآن، فجاء القرآن فنسخ هذا الحكم بجواز الأكل بعد العشاء إلى الفجر.
ووقوع نسخ السنة بالقرآن هو مذهب جماهير العلماء، ولا ينافي نسخ السنة بالقرآن أن السنة مبينة للقرآن، لأنه يجوز عقلًا أن تكون السنة مبينة للقرآن وأن ينسخ القرآن أحكامًا جاءت في السنة، وأيضًا لا يلزم من هذا القول أن ينسخ القرآن كل حكم في السنة، لأن النسخ لا يثبت هكذا بل لا بد أن يدل عليه كتاب أو سنة صحيحة.
وزد على عدم المانع العقلي من جواز نسخ السنة بالقرآن أن النسخ وقع فعلًا كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى ( ... فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ) (البقرة: 144) حيث نسخت الآية حكم التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة، وهو حكم ثابت في السنة.
- (أُحِلَّ لَكُمْ) وليس"أحل الله لكم"؛ لأن السياق سياق تبليغ للمؤمنين بما شرع الله لهم، وتأمل معي عندما يكون في السياق معنى آخر غير مجرد التبيلغ:
قال تعالى: ( ... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 275) وهذا سياق رد على الكفار وتهديد لهم؛ ولذا لم يُبنَ الفعل لما لم يسمَّ فاعله، بل جاء التصريح بالفاعل بلفظ الجلالة"الله"تقريرًا لحقيقة لعب الكفار بها، وتهديدًا لهم إذا استمروا عليها.