أدفع الحبل في الهواء بقوة فتعلو ثم تنخفض ويتطاير كاشفًا عن جسد أبيض كثلج تحت الشمس. أحسست في لحظتها بشعور شيطاني غريب، طلبت السماح من الرب راجعًا بقلقٍ إلى الغرفة غير مكترث بها وهي تنادي بأعلى صوتها: (بابا... لم ذهبت؟! ادفعني....) .
كنت أحدق بعيون زوجتي الهاربة دائمًا في عالمها الداخلي وأنا أحدثها عن المستقبل والشيء الذي كنت آمله (الولد) . بل أريد أولادًا.. أولادًا بعدد الشجر الذي أملكه. اقتربت نورا بقلق ناظرة في العمارة المقابلة، قالت:
-بابا... صحيح أن الإنسان يعيش ويموت سبع مرات؟!
-ربما لا أعرف يا نور حياتي.
-أحسّ بأني عشت في ذاك البيت!
اشتعلت أعصابي غيرة من عارف، لا أريد لخيالها أن يتخطى حدود الفقر نحن راضون بالعيشة الشريفة نكتسي، ونشبع، ونضحك كثيرًا. الصمت الطويل انفجر انفجار النجوم المضيئة في عيد رأس السنة حين بشرتني بديعة بشيء يتحرك في بطنها، وأنها تقيأت مرتين واشتهت أن تأكل التراب، وحبات الفريز الأحمر. لم أنتظر للغد... إلى سوق الخضرة فورًا وهناك في الساحة المزدحمة بالعربات الخشبية مسحت بطرف كمي دموع الفرح."أخيرًا يا ولدي الشقي... تأخرت بحضورك إلينا. آخ، كاد العمر أن ينتهي...".
السيد عارف يفسد تربية الطفلة، يذكّرها بعيد ميلادها، ويطالبني بإرسالها إليه كي تتعلم مع أحفاده استعمال الحاسوب وأخذ الساعات الخصوصية فصارت تطالبني بالهدايا وتعدّها واجبًا محتمًّا عليّ، وحقًا من حقوقها حتى اعتادت على عيشة الصغار البورجوازيين.
أطفأت في حزيران تسع شمعات، تبدّدت خيوط الدخان الصاعد من الشمع حين صفقنا بحرارة. قبّلها السيد عارف فوق جبينها، حضنها بقوة. ولما قالت له بهمس سمعته (هديتك رائعة... أنت أبي الثاني) شعرت بألم في فجوة رأسي الثمل لكني تجاهلته وحضنتها أنا الآخر بدوري وحين عانقتني أفقت من غيبوبتي، جذبتها إلى صدري ثانية لأتأكد فاحتقرت نفسي وانكمشت هي كما تنفر اليد من النار. ابتسمت بتصنع ناسية أن تشكرني على الهدية كما فعلت مع عارف.
أخذت نجيب من حضن أمه وضممته متمنيًا لو أنه يشبهني بلون الشعر الداكن بسمار البشرة، بتدويرة الوجه الذي تتميز به عائلتنا. أخذ فقط اسم جده.