أعلم أن الروح تبقى لتشقى حول من تحب.... أتكونين روحًا لوردة القرنفل في هذا الأصيص أو أنك تلامسين شعري ووجهي المحصود تنسجين معي في السيارة لتستقري في صورة الطفلة الباكية المعلقة على الجدار.
أربعون عامًا.... وها نحن نفترق لنلتقي فوق ورقة... فيا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية.
والأبناء يضرسون
أنا أبو نجيب، أبٌ لولد لم يولد برغم مرور السنين، قبالة داري قصر سطحه من قطع القرميد وستائره شجرات الياسمين، قصر مصنوع من حجر القلعة التي لم يبق من هيكلها سوى جدار مثقوب وعدة أعمدة. هم يعمّرون ونحن نهدم كم تعبوا وهم يجرّون الحجر لفوق الجبل، وكم فرحنا ونحن نعمّر بعض البيوت من ذاك الحجر.
تجمعني مع السيد عارف أرض تشبُّ كلّما كبرت فيها جذوع شجر الزيتون أملك الثمن منها، بعد أن اهترأت ساعات النهار أجلس على كرسي بسيط لكنه مريح آمر زوجتي كما يحلو لي مراقبًا خلفيتها العريضة بشهوة آخذ أنفاسًا من التبغ (أبو ريحة) أزرعه في الحاكورة.
زوجتي بديعة تنظف له البيت كل يوم خميس قبل أن يقدم أولاده من المدينة يوم الجمعة مصطحبين زوجاتهم.
(نورا) ابنتي بدأت تنطق أول كلمة -بابا- فتقع في قلبي وقوع الزيت بالنار. في هذا العام امتدت فروع الزيتون في كل اتجاه وأثقلت بحبات كروية خضراء ناضحة بالزيت.
السيد عارف متواضع جدًا ينزل إليّ ويجلس إلى جانبي على (الخوان) ، تسرع بديعة وتضع خلف ظهره وسادة يستند عليها، إنه يحب الكلام كما أحب الصمت قال لي بعد شرود:
-أتعلم...؟! كلّنا أولاد زنا بالمحارم.
ثم يأمر زوجتي بتحضير النرجيلة متأملًا عمارته وكأنه يملك العالم.
شجرة السنديان أبقيتها في أرضها، تحتها تعمّر (نورا) بيتًا من الحجارة المصفوفة بشكل مربعات على العشب.. وفوق فروعها الضخمة تنغم العصافير أجمل الألحان، يخرج أحيانًا صوت يشعرني بخوف- رغم حلاوته- حين يندمج مع ضجيج الماء في البركة الصغيرة. صنعت لها من الحبل أرجوحة. شعرها الأصفر يطير على وجهها المدوّر، صرختها... ضحكتها المتقطعة تبدّد ضبابًا غريبًا يحيط بعتمة سراديبي. بدت كوردة شقائق النعمان في ربيعها وهي ترتدي الفستان الأحمر هدية السيد عارف لها في عيد ميلادها.