فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 52

وحين لامس خيالها منطقة الشعور، انتفضت وصلّت أن يسامحها الرب، وأمام صمتها وانتظار أن يسير الوقت بشكل أسرع دار عقرب الساعة حتى أصيب وأصاب الزوجة بالدوار.

استلقى الموج فوق الرمل، نام واستفاق ألف مرة.

أخيرًا.. حضر أبو صلاح مبللًا بالقطرات المالحة لا يستره سوى سروالٍ مبقعٍ بالألوان الفاتحة - تنهدت - الآن تقدر أن تنظر في وجه أحد ما. عيناها في عينيه وعيناه في أعينهن حكت له أحاديث كثيرة، لم يفهم منها حديثًا واحدًا سوى أنه يهز لها برأسه ويبتسم لها بتصنع. حاولت أن تجرب ذكاءها لشد انتباهه بحيلة. فحدثته عن الحمار سيرة البلدة. حدثته بحماس حينها خرجت من بين الشارب الأشقر والشفة السفلى كلمة ملفوفة بغمامة رمادية من دخان سيجارته (مسكين) .

ثم رشف لعابه ولم يزد كلمة. ساد صمت بينهما وسط الصخب يفجّر الرأس. فزّمت فمها الداكن بحزن راحلة في غيبوبة عقلية.

قبل أن ينهض إلى عمله بالفرن وقبل الفجر بقليل صرخ وأجهش. فتحت زوجته الباب بقلق مدخلة رأسها قبل جسدها، رشت على وجهه رذاذًا من الماء البارد.

(كابوس.. ياعسلية.. احترق الفرن وزلزل من تحتي يا عسلية) .

احتضنته كأم محاولة أن ترجعه إلى نومه ساعة أخرى. ولما رجع إلى شخيره بدأ القلق يلفها. من هذا اليوم تبدأ النهاية حين وقف رجل بباب الفرن الضيق وابتسم. اختفى الفران في أحضانه. شده الرجل إليه بمحبة. كان بينهما حديثٌ طويلٌ احتسيا إبريقًا من الشاي. معًا خدما في الإلزامية... ومعًا خرجا من ألسنة اللهب أثناء حرب الانتصار... اقتسما السجائر والخبز اليابس والزيتون.

طلب منه تشغيل ابنته (ريتا) في الفرن، قابل الفران طلبه بابتسامة قبول، وتعهد بشاربه الأشقر أن يكون الأب الثاني لها.

(ريتا) معشوقة عبود الضخم، الموظف في البلدية، والرسام الذي يتقن رسم الأصوات والحركات. في كل لوحة يرسمها يصنع فيها جزءًا من ريتا. الشعر الأسود كغابة هجرها القمر.. عنقها الأسيل كجذع شجرة آزرة خلف شباكه. ونهداها المرتفعان صوب السماء بخشوع. لم يمض أسبوع حتى انتشر خبر (ريتا) في العائلة حين رجعت تحت الشمس غارقة بعرقها ودموعها. وصار الفرن مثلًا يضرب على كل فتاة تنوي مقابلة أحدهم بالخفاء كان بهمس البنات ثورة صامتة انتهت أخيرًا بالمصارحة.

تزعم عبود اثنين من رفاقه، مشوا بثقة وغضب في الطريق إلى الفرن. رفع عبود قدمه الطويلة ووضعها في بيت النار البارد وصرخ بأعلى صوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت