قال إنه لم يتغير، كل ما في الأمر أنه صار يخاف من السماء.
الشرفتان
كانا صغيرين في السادسة من العمر، ولدا في يوم واحد وخرجت صرخة ألم وصرخة بكاء لم يقدر الحائط أن يفصل اندماجهما.. وفي مدخل البناء يتعاركان تقرصه زينب بجلده الأسمر الرقيق وتركض ليتلقفها، يشد جديلتها ويصرخان ثم يضحكان ويمسحان الأرض بالأجساد المتعرقة.
لم تنتظر زينب أن يعود، نسيته كما ينسى الوليد رحم أمه. في غرفتها تعيش حبًا تصنعه، تحتضن كتابًا وحين تتعب عيونها تتأمل التمثال العاجي، لحظة التقطها النحات، وسافر ليخلد لحظة يمكن ألا تتكرر.
تسدل الستائر فوق النافذة الشرقية، والغربية، تحدّق في عينيها -وهي تمسح المرآة- وفي جبينها. وتدمع عيناها الحادتان الشاردتان خلقت لتكون على وجه رجل.
عملت لنفسها فنجانًا من القهوة، هذه المرة بغير شعور أخذتها قدماها نحو الشرفة وهي لا تزور الشرفة إلا في الصباح حيث تسقي شجرة الورد، وشتلات الحبق حتى حين تتأمل الغيوم الخريفية الشاردة في سفرها فوق الشوارع والأبنية العريضة، يحوم في صدرها حزن لاتدرك سببه.
في آخر رشفة، وضعت الفنجان فوق صحفته، مسحت جسدها (البرونزي) شاعرة ببرودة المساء.
امتدّت يد تنشر الغسيل على الشرفة المجاورة، لم تكن يد امرأة، منذ سنين طويلة والبيت ميت، لا حركة، ولا ضحك، ولا ضجيج كان يسببه رامي. وتذكرت رامي بنشوة حين جاء أبوها ورآهما كالعادة يتعاركان ويلتصقان ببراءة وببساطة فانهال عليها بالضرب.
وقفت على حافة الشرفة، مدت رأسها وبسرعة تراجعت حين التقت عيونهما، لم تهرب إلى كرسيها وقفت تنظر في الغيمة الوحيدة دون أن تراها. وفكرت"سأرد عليه السلام إن سلم. إن خجلت منه سيقول إني حقًا قد أصبت بذاك الشيء الذي خرج كالنور من عينيه".
وحصل السلام، علمت زينب بأنه توأم صرختها.
"كم كبرت يارامي، هاقد غطي وجهك الرقيق بالأشعار السوداء.. كم ثخنت ساعداك، أما زال جلدك الرقيق يذكر قرصاتي".
ضوء الشارع ينعكس على الوجهين، وفوق صدره يلتمع صليب صغير التقت اليدان، تصافحا بشرود. طلب منها أن تزيل قماش الروب عن صدرها. فغضبت راجعة إلى كرسيها. ضربها بورقة بيضاء. أخذتها بين يديها بنهم، وأسرعت إلى غرفتها لتشعل الضوء، فركت عينيها وبدأت تقرأ بهمس: