فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 52

أخذ من المال ما يملأ محفظته، واختفى مع سيارته، متجهًا نحو المدينة حيث مكانه المفضل الساخن ومن خلف الزجاج ينقر المطر، ويهدر الهواء يلاعب الموج الرمادي. مشهد البحر والسفن لم يستهوهِ في تلك اللحظة التي يرمق بها تلك الفتاة بنظراته. نسيت كأس الشاي وهي تنقِّل ناظرها ما بين ساعة يدها والباب الواسع للمطعم. شكلها الآن يوحي له بأنها تجهّز نفسها للمغادرة اقترب منها بتأدب واستأذن منها أن يجلس، أسعدها ذلك ووافقت كمن تتحدى شخصًا آخر لم يأتِ. أشعل لها سيجارة من النوع الأمريكي المستورد، حدّثها كأنه يعرفها من سنين، إنها طريقته في زرع الطمأنينة في قلوبهن، يجد لذة في الثرثرة الكاذبة المخالفة لآرائه الحقيقية، يتحدث كثيرًا عن الفروقات بين المرأة العربية والغربية، ويردّد كثيرًا أسماء الكتاب العظام الذين يحفظ لهم بعض مقولاتهم في فلسفة الحب وفلسفة الحياة، لكنه لم يتحدث يومًا عن شجر الليمون، والأرض أو أي خبر عن القرية أو الطقس...

ينفذ ما يراه في الليل، تحت ضوء النهار، على شاطئ البحر وتحت الصخرة الكبيرة... صار وحشًا من داخله ينقل مشاعره الكاذبة باسم الحب ليصل إلى غايته الأخيرة، واضعًا في قلب كل فتاة كهفًا أسود لا يخبئ سوى خفاش أسود يقلق سكون لياليهن.

الأضواء اختفت من الدار.. صوت كلاب تنبح ونقيق ضفادع بعيدة، وهج الشاشة يلّون وجهه في العتمة، ولون برتقالي يخرج من المدفأة المتأججة بنار تهمس وتحشرج، المطر في الخارج لم يتوقف، يطرق على النافذة بقوة، يغسل الوريقات الخضراء، كم هو متفائل، الشجر يحمل الثّمر والزهر الأبيض في وقت واحد...

بللت الصناديق من برك الماء كي يزداد وزنها بالليمون والبرتقال كي ترسل إلى حلب بالشاحنات... يوم شاق انتهى بتنهيدة عميقة من أمه التي قعدت متأملة ابنها مطولًا، أتجادله بموضوع زواجه، حديث تجادلا فيه عشرات المرات حتى كرهت أن تعيده.

صبّ كأس شاي ونظر إلى ساعته ثم صرخ لأخته فلم تجب:

-أختي تنام باكرًا، كالدجاجات... أحوالها لا تعجبني كثيرًا...

ولاحقت نظراته منظر أمه وهي تمشي نحو غرفتها صاعدة الدرجات بتثاقل:"أريد زوجة مثلها تمامًا، عيون عسلية صغيرة لكن فيها ألف معنى، ووجه مستدير كقرص الشمس، خجولة، صبور، لا تشتكي ولا تتذمر، تنفذ ولا تعترض، حجاب برتقالي مذهب حول وجهها لتبدو كوردة عباد الشمس التي أحب، تنحني لي عند الفجر لتنهض عند الغروب"...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت