و قد عرفنا من النّصوص الشّرعيّة أنّ الله يستدرج العاصي بزيادة النّعمة عليه، فليست النّعمة إذن دليل الرّضا من الله تعالى على العبد.
لكنّ هناك أمر آخر لا يغيب عنّا، وهو أنّ الله تعالى يدفع عن العبد عقابه بحسناته، قال تعالى:
{ويدرؤون بالحسنة السّيّئة} [الرّعد: 13] .
وقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين أوصاه: (وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها) [1] .
إنّ البعض من هؤلاء الّذين نراهم أهل عبث ومجون، لهم في السّرّ أعمال خير يريدون بها وجه الله، والله تعالى يتقبّل العمل من المخلص، وليس من شرط القبول كمال الطّاعة، فلعلّ لبعضهم صلاةً وصيامًا لا نعرف عنها نحن.
ولعلّ لبعضهم نفقات: ومن المعلوم أنّ الصّدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النّار [2] .
والّذي أريد الوصول إليه أنّ من سياسة النّفس إذا ضعفت في جانب ترك معصية ما، أن تُصرف إلى جانب عمل البر، فإنّ السّيّئة ترجّح ميزان السّيّئات، فالعقل يقتضي أن نعادل كفّتي الميزان أو نرجّح كفّة الحسنات بفعل المزيد منها، ليبقى الميزان راجحًا في صالح الحسنات.
فإذا رأى العبد من نفسه الوقوع في المعصية وعجزه عن تركها فليبادر إلى حسنة تميل إليها النّفس ولا تستثقلها، قال الغزالي رحمه الله: (بيان ما ينبغي أن يبادر إليه التّائب إن جرى عليه ذنب إمّا عن قصد وشهوة غالبة أو بحكم الاتّفاق:
(1) أخرجه أحمد 5/ 153،157،177 والتّرمذي 1987 والحاكم 1/ 54 وغيرهم.
(2) أخرجه التّرمذي في الزّكاة ح614، 2616 وابن ماجة في الزّهد ح4210 عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، وفي رواية للتّرمذي برقم 664 (تطفىء غضب الرّب) .