يدعونا التقسيم للنظر في موضوع (شعبيّة) الأمثال واختصاصها باتجاه محدد من اتجاهات الأمثال العربية، فإذا كان المعنى يتغيّر بتغيّر الأزمان والتجارب لتبدو ثمة معانٍ قديمة وأخرى حديثة أو مولّدة، فإن (الشعبية) تظل سمةً مهمةً تغطي جانبًا أساسيًا من أمثال المراحل جميعها، تلك التي تختلف في مصادرها وعلَّة نشوئها عن الأمثال الذهنيّة النابعة عن الحكم والأقوال المأثورة، أو الأمثال النابعة عن الشعر، أو أمثال القرآن الكريم، وربما أخذت (الشعبيّة) في تقسيم د. خلوصي معنى (غير المدوّن) في إشارة إلى انتهائها مع العصر الجاهلي، لتكشف خصائص الاتجاه الثاني (خرافية، قياسية، موجزة) ما انتقل منها عبر مدونات الأمثال الأولى إلى العصرين الأموي والعباسي، ممثلًا مناسبةً مهمةً لتحولها من أمثال شعبيّة مجردةٍ تتناقلها الألسن إلى مدونات، تهتم بشكل ما بمساحتها النصيّة التي تجمع بين وحداتها الشعر إلى جانب النثر، وتؤكد عنايتها بالتمثيل الحكائي واهتمامها بقصص أمثالها وهي تُسهم، بدرجات متفاوتة باحتضان النموذج (الخرافي) ، وخلق مجال مناسب يُعتنى فيه بـ"الحديث المستملّح من الكذب" [1] ، عبر النقل والتدوين أو اعتماد الحدس والتخمين واختراع القصص والحكايات الخرافية [2] ، التي وجدت للإيهام بواقعة المثل والارتفاع بها من كونها صيغًا مجردةً إلى تشكيلات حكائية تهتم بالصور الحسية لتجاربها.
(1) -لسان العرب والمعجم الوسيط: مادة (خرف) .
(2) -ينظر د. صفاء خلوصي، دراسة في الأمثال القديمة: 36.
ود. عبد المجيد عابدين، الأمثال في النثر العربي القديم: 37.
ورودلف زلهايم، الأمثال العربية القديمة: 50.