ومرت الأيام بإيمان متقلبة، تارة ساكنة هادئة، وتارة كئيبة حزينة، أدركت من خلالها أن ما تعيش فيه ليس سوى مؤسسة اجتماعية لاحتضان وتربية الأيتام والفقراء المساكين ممن فقدوا معينهم أو جار عليهم الزمن.. كانت حينذاك قد بلغت الثانية عشرة من عمرها، وذات ليلة سألت أم حسن مربيتها مستفسرة عن والديها وكيف جاءت إلى هنا؟ ولماذا لم تر أحدًا من أقاربها كما يحدث لبقية أبناء الدار؟ولماذا لا تزور أو تزار في المناسبات؟
فما كان من أم حسن عندما سمعت أسئلتها الملهوفة الحزينة، وشاهدت ما ارتسم على وجهها البريء الطاهر من ألم وحيرة وضياع؛ إلا أن ضمتها إلى صدرها في حنان بالغ، وراحت تمسح على شعرها الذهبي الحريري الطويل بيدها التي أكل الزمن من قوتها ونضارتها، ثم مضت تحدثها بعد أن طمأنتها وهدأت من ثورة نفسها المضطربة، قائلة لها:
-إن والديك يا حبيبتي - رحمهما الله - كانا من أفضل الآباء، وكانا يحبانك كثيرًا، وقد حدث لهما ذات يوم حادث فظيع توفيا فيه وهما قادمان من البيت لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء الأعزاء، وكنت معهما، وشاء الله لك الحياة بعد أن أصبت إصابة خفيفة.. ولما خرجت من المستشفي ولم يسأل أحد عنك؛ أحضروك هنا مؤقتًا حتى يأتي أحد أقاربك.. ولم يأتِ أحد.. وقيل: إنه لم يبلغ عنك لأن والديك لم يعرفا بسبب الحادث، وقد يكونان غريبين عن البلد مثلًا، وهذا هو السبب في عدم معرفة أقاربك.
وبعد أن أخذت إيمان نفسًا عميقًا؛ قالت في اضطراب:
-ولكنك يا أمي تقولين إن والديّ كانا من أفضل الناس؛ فكيف عرفت ذلك؟
قالت:
-إن ذلك ظاهر من مظهرهما عندما كانا في المستشفي.
قالت ذلك بارتباك محاولة إنهاء الموضوع، وفضت الحديث فيه بعد أن مضت تزيد وتختلق من عندها حكايات حتى جعلتها تقتنع بحديثها بعض الشيء.