ما أقسى العذاب الذي يعيشه الإنسان بينه وبين نفسه في صمت رهيب، وما أشد قسوته حينما يكون مصدره سرًا رهيبًا في الأعماق؛ إن انكشف تكاثرت على إثره الجراح واشتدت الآلام، وإن لم ينكشف أصبح مصدر عذاب لا ينتهي وحيرة وقلق دائم وتفكير مضن، وشقاء أبدى يقتات من الفؤاد ويأكل من الروح ويستقي من الفكر..
عندما فتحت إيمان عينيها على الدنيا؛ وجدت نفسها تعيش في دار كبيرة مليئة بأخوات مختلفات في الأشكال والأعمار وعدد من الأمهات، وكانت من بينهن امرأة تدعى بأم حسن، كانت تناديها دائما بأمي؛ لأنها لم تعرف سواها، ولم تتربَّ إلا في حضنها هي على الرغم من تعدد الأمهات الموجودات في الدار.
ولما بلغت السن التي تؤهلها لدخول المدرسة، وتعرفت في هذا العالم الجديد على زميلات وصديقات جديدات غير اللاتي معها في الدار، وأدركت أن لكل منهن أمًا، وكثيرًا ما كانت تشاهد كل زميلة من زميلاتها بصحبة أمها أثناء الحفلات المدرسية ومجالس الأمهات التي تعقدها المدرسة.. كانت تتساءل بينها وبين نفسها عن سبب وجودها في هذه الدار الكبيرة دون أم تذهب معها إلى الحفلات المدرسية وغيرها، ودون أب، وبلا إخوة وأخوات حقيقيات، فكانت تتنحى جانبًا بعيدًا من ساحة المدرسة تخلو فيه بنفسها وتفكر في أشياء كثيرة، وتبحث عن أجوبة لأسئلتها الحائرة، ولكن دون جدوى، ثم تبكي بحرقٍة دون أن تدرك سببًا معروفًا لبكائها.
وفي البيت الكبير الذي تعيش فيه كانت تختبئ تحت شجرة برتقال كبيرة بعيدة عن أعين أخواتها وتبكي ما شاء لها البكاء، وكان السؤال عن أبيها يحيرها دائما ويقض مضجعها كلما سمعت صديقة تتحدث عن أبيها وعن هداياه.. ما عدا هي؛ لماذا لا يكون لها أب مثلهن؟ إنها لم تر حتى صورة له، أو تسمع شيئًا عنه، أو تعرف ماذا كان يعمل..