الصفحة 14 من 429

فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخرى هى معانيها، وهى المصالح التى شرعت لأجلها، فالذى عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (ج - 2 ص 378، 380 حتى 385 وما بعدها تحقيق المرحوم الشيخ عبد الله دراز طبع المكتبة التجارية) وقد أقام الشاطبى حكمه هذا على الاحتيال والحيلة على جملة من الأصول الشرعية الكلية، والقواعد القطعية موجزها.

أولا الاحيتال ومخالفة قصد الشارع ذلك أن المحتال قد قصد إلى ما ينافى قصد الشارع فبطل عمله لأن قصد المكلف ينبغى أن يكون موافقا لقصد الشارع، ومن ابتغى غير هذا فأولئك هم العادون، لأنه ناقض الشريعة وكل من ناقضها كان عمله النقيض باطلا.

وقد أقام الشاطبى الأدلة على أن مخالفة قصد الشارع مبطلة للعمل.

باعتبار أن هذه المقاصد مشروعة للامتثال (الموافقات ج - 2 ص 231 وما بعدها) ثانيا الاحتيال وقاعدة اعتبال المآل فقد بين الشاطبى أن تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعى أو تحويله في الظاهر إلى حكم آخر، كان مآل العمل خرم قواعد الشريعة في الواقع (المرجع السابق ج - 4 ص 201) إذ أن هذا العمل مناقض لقاعدة المصالح مع أنها معتبرة في الأحكام وهو أيضا مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما انعقد سببا وحصل في الوجود صار مقتضيا شرعا لمسببه لا لغيرة وما كان مضادا لقصد الشارع كان باطلا (ذات المرجع ج - 2 ص 278) ثالثا - في الاحتيال انعدام الإرادة في العقد المتحيل به ذلك أن ركن العقد هو الرضا، وإذا كانت الإرادة أمرا خفيا لا يطلع عليه أحد جعل الشارع مظنة الرضا، وهو صيغة العقد قائمة مقام الرضا، وإذا قصد العاقد خلاف معنى لفظ العقد لم يصح القول بأنه قاصد لمدلوله حكما، وترتب الأثر إنما يكون بحكم الشارع لا بإرادة العاقد (المرجع السابق ج - 1 ص 216 ص 330 وأعلام الموقعين لابن القيم ج - 3 ص 95 وما بعدها طبع ادارة الطباعة المنيرية) هذا.

وقد أفاض ابن القيم في الحديث عن الحيل مبينا منها المحرم والمباح موردا أمثلة شتى بلغت المائة وست عشرة مثالا (المرجع السابق ج - 3 ص 140 وما بعدها حتى نهاية الجزء و ج - 4 من افتتاحه حتى ص 101، واغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم ج - 2 ص 69) هذا ولما كان قد تردد في بعض النقول السابقة أن الحيلة قد تكون مباحة، لا سيما بعد ما سلف من أن ابن القيم قد أورد أمثلة للمباح منها في كتابيه أعلام الموقعين، وإغاثه اللهفان من مصايد الشيطان - لزم أن نشير إلى ضابط عام للحيل المشروعة ذلك أن الحيل التى جاء الشرع بذمها والتحذير منها، بل وإبطالها هى ما هدم أصلا شرعيا، أو نقض مصلحة شرعية، فان كانت الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا، ولا تناقض مصلحة شهد الشارع باعتبارها، فهى غير داخلة في النهى وغير باطلة.

وقد وقع اختلاف الفقهاء في بعض مسائل الحيل من جهة أنه لم يتبين فيها بدليل واضح أنها من النوع المحظور، أو من ذلك النوع المشروع، ومن ثم يلحقها بعضهم بالأول، بينما قد يلحقها بعضهم بالثانى والحيل المشروعة هى ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت