الصفحة 44 من 78

الثبات عند لقاء العدو:

الثبات من توابع الصبر ومن مستلزمات النصر، فأثبتُ الفريقين أغلبُهما، وأعظم ما تشتد الحاجة إليه عندما يضطرب الأمر، ويدبّ الذعر، وتنتشر الشائعات، وتشيع الهزيمة في نفوس المقاتلين، وقد جاء الأمر به عند اللقاء مع العدو، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45] .

وهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء [1] أي: إذا حاربتم جماعة من الكفرة فاثبتوا للقائهم في مواطن الحرب [2] ، ولا تجْبُنوا عنهم، وهذا لا ينافي الرخصة في قوله: {إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] ، فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف والتحيّز.

ثم أمر بالذكر؛ فإن ذكر الله يعين على الثبات في الشدائد، وقيل المعنى: اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان [3] .

وقد جاء في دعاء طالوت وأصحابه، لما برزوا لجالوت وجنوده، طلبُ الثبات: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] , فكانت العاقبة لهم: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة: 251] .

ومن دعاء المجاهدين - أصحاب الأنبياء- بالثبات: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] ، فكانت الغلبة لهم: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 147] .

كما وعد الله من ينصر دينه بأن ينصره ويثبته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

(1) تفسير ابن كثير 2/ 417.

(2) تفسير أبي السعود 4/ 25.

(3) فتح القدير للشوكاني 2/ 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت