الصفحة 29 من 78

يكره الصعود, والمسترخي الذي يكره الاشتداد , والمنحل الذي يكره الجدّ , والظالم الذي يكره العدل وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة وفيهم وفيهم , ممن ينكرون المعروف, ويعرفون المنكر , ولن تعود القدس إلا أن يقود العلماء الربانيين مسيرة الأمة ويوجهون الحكام إلى الخير.

* عز الدين بن عبدالسلام ينكر علي ملك دمشق التنازل عن ديار المسلمين, وعقد الصلح مع الفرنجة الصليبيين المعتدين:

لابد أن يرفع العلماء لواء الخير في الأمة ويجهروا بكلمة الحق أمام من يتنازل عن ديار المسلمين ,

أو يعقد صلحًا مع اليهود المعتدين ... ولهم قدوة وأسوة بعز الدين بن عبدالسلام سلطان العلماء, فإنه لما تحالف الصالح اسماعيل حاكم دمشق مع الصليبيين , وأسلمهم قلعة صفد, وقلعة الشقيف , وصيدا , وبعض ديار المسلمين اختيارًا؛ لينجدوه علي الصالح نجم الدين أيوب , ودخل الصليبيون دمشق لشراء السلاح , لقتال أهل مصر, واستفتي أهل دمشق الشيخ في مبايعة الفرنج السلاح قال سلطان العلماء: يحرم عليكم مبايعتهم؛ لأنكم تتحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين.

وترك عز الدين الدعاء للحاكم في الخطبة , وجدد دعاءه في الجامع الذي كان يدعو به إذا فرع من الخطبتين: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد تُعز فيه وليك, وتذل فيه عدوك, ويعمل فيه بطاعتك , وينهي فيه عن معصيتك» .

والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين والنصر علي أعداء الله واعتقل الشيخ, وبقي مدة معتقلًا , وأخرج الشيخ من معتقله فأقام مدة في دمشق , ثم انتزح عنها إلى بيت المقدس , وجاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية, فسيَّر الصالح إسماعيل بعض خواصه إلى الشيخ بمندليه, وقال له: تدفع منديلي إلى الشيخ وتتلطف به غاية التلطف وتستنزله , وإن خالفك فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمتي, فلما اجتمع اغلرسول بالشيخ شرع في مسايسته وملاينته, ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان , وتقبل يده لا غير.

وهنا قال سلطان العلماء كلماته النيرة , فيها استعلاء أهل العلم , قال: «والله يا مسكين , ما أرضاه أن يقبل يدي, فضلًا أن أقبل يده. يا قوم , أنتم في وادٍ , وأنا في وادٍ , الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به» [1] .

عزة سلطان العلماء بربه .. يصون يده المتوضئة عن ملامسة عميل للصليبيين, وإن كان سلطان دمشق .. يصون يده التي تكتب العلم وتسجد لمولاها.

«فقال له: قد رسم لي إن لم توافق علي ما يُطلب منك وإلا اعتقلتك.

فقال: افعلوا ما بدا لكم. فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان. وكان الشيخ يقرأ القرآن والسلطان يسمعه , فقال يومًا لملوك الفرنج: تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا: نعم قال: هذا أكبر قسوس المسلمين, وقد حبسته لإنكاره عليّ تسليمي لكم حصون المسلمين , وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه , ثم أخرجته فجاء إلى القدس, وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم.

فقالت له ملوك الفرنج: لو كان هذا قسيسنا لغلسنا رجليه , وشربنا مرقتها» [2] .

هذه شهادة الكفار في حق العلماء الربانيين.

الأمة تحتاج إلى مثال عبدالله بن محيريز , وسعيد بن المسيب , وجهبز العلماء سعيد بن جبير والأوزاعي والثوري إمام الدنيا الذي كان يبول الدم إذا رأي المنكر ولم يتكلم , وابن أبي ذئب

والعمري , وأبي حاتم

الأعر ج, وطاووس, وزياد العبدي, وعطاء بن أبي رباح, والطرطوشي وشيخ الإسلام ابن تيمية

إن أمة يقودها علماءها الربانيون بكتاب الله وسنة رسوله , ويخضع لهم القاصي والداني والصغير والكبير .. لن تُخطئ الطريق إلى القدس والأقصي .. مثلما قاد الشيخ آق شمس الدين تلميذه محمد الفاتح إلى فتح القسطنطينية.

(8) التوكل علي الله وحده:

وأعلي التوكل التوكل علي الله في نصرة دينه, ودفع فساد اليهود المفسدين, واسترجاع القدس درة بلاد المسلمين, هذا التوكل يجعل المتوكلين من جيل النصر يلهجون بما قاله محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا له:

(1) «طبقات الشافعية» (8/ 243 - 244) .

(2) «طبقات الشافعية» (8/ 244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت