المياه اللازمة لاعمال البناء، ولذا امر المتوكل على الله بانشاء كهريز يستمد مياهه من نهر دجلة بالقرب من تكريت ويحملها الى موقع المدينة الجديدة على شاكلة قناة سامراء التي سبق وان انشئت لايصال المياه الى سامراء وكانت قناة جوفية ولا تزال شبكة للكهاريز التي كانت تتفرع من الكهريز مائلة يمكن مشاهدتها في عدة امكنة داخل اطلال مدينة المتوكلية (3) . ... وقد عين المهندسون مواضع قصور الخلافة، ودار الخلافة والدواوين الرسمية، والمناطق السكنية وقطائع القواد والجند وضعوا التفصيلات اللازمة لعمرانها، وجيء بالعمال والبنائين وقام العمل على قدم وساق لانجاز المدينة باقصر وقت ممكن ومدوا الشارع الاعظم من دار شناس التي بالكرخ، وجعلوا عرضه في مدينة المتوكلية مائتي ذراع، وقدروا ان يحفروا على جانبه جدولان يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي بوشر بحفره، واقطع الخليفة ولاة عهوده الثلاثة وسائر اولاده وقواده وكتابه وجنده وسائر الناس كافة على يمين الشارع الاعظم وعن يساره، وجعل الأسواق الكبيرة في موضع منعزل، وكما جعل في كل مربعة وقطيعة سوقًا خاصًا بها (4) ، وقد بدأ العمل في بناء المدينة في سنة (245 هـ) . ... وتميز الشارع الاعظم بطوله واستقامته، ولا سيما بعد ان امتد الى آخر مدينة المتوكلية وضوعف عرضه، اذ بعد ان يترك سور شناس يتجه شمالًا مسافة كيلو مترين تقريبًا ثم ينعطف نحو الغرب قليلًا فيسير باتجاه مستقيم بين نهر دجلة والقاطول الاعلى. ... ويبلغ طوله في داخل مدينة المتوكلية حوالي اثنتي عشر كيلو متر ونصف الكيلو متر. ... ويظهر ان تصميم مدينة المتوكلية وضع على اساس تقسيمها الى ثلاثة اقسام: ... أولها: القسم الجنوبي منها ويعرف باسم دور عربايا أو الدور العرباني، وقد خصص لسكنى الناس وبصورة عامة. ... القسم الثاني هو القسم الوسطي من المدينة وقد خصص لقطائع القواد وأصحابهم فكان لكل قائد قصر خاص يطل على دجلة. ... وقد شيد في شمالي هذا القسم جامع المدينة المعروف باسم جامع أبي دلف ومئذنته الملوية وينتهي القسم الوسطي من المدينة شمالي الجامع بقليل حيث يبدأ القسم الثالث منها، وهو القسم الشمالي الذي خصص لدار الخلافة ودواوين الدولة وقصور المتوكل على الله، ويفصله عن بقية أجزاء المدينة سور يمتد بين ضفة القاطول الأعلى ونهر دجلة وله ثلاثة أبواب عظام جليلة يدخل منها الفارس برمحه بحيث كانت هذه المنطقة معزولة تمامًا عن المدينة. وهذا القسم الخاص بدار الخلافة والدواوين كانت فيه مساحات واسعة نظمت فيها حدائق وبساتين يخترقها شارعان يؤديان إلى دار الخلافة ودواوين الدولة. ... وكان المتوكل على الله يتفقد بنفسه سير العمل في بناء مدينته، وفي حفر النهر، فمن رآه من العاملين قد جد في البناء أجازه وأعطاه، فجد الناس ونشطوا في العمل، ثم ارتفع البنيان في خلال مدة تزيد على السنة، إذ بنيت القصور وشيدت الدور. وسمى المتوكل على الله المدينة الجديدة (المتوكلية) نسبة إليه وكان البناء قد اتصل إلى الدور ثم الكرخ وسامراء حتى أسفل المطيرة، حيث شيد قصر المعز بن المتوكل على الله ولم يبق بين ذلك مكان لا عمارة فيه، وكان مقدار ذلك سبعة فراسخ. ... وانتقل المتوكل على الله إلى قصور هذه المدينة في أول يوم من المحرم من سنة 247هـ. ... وأمر الخليفة بأن تنقل دواوين الدولة من سامراء إلى المتوكلية، فنقل ديوان الخراج وديوان الضياع وديوان الزمام وديوان الجند والشاكرية وديوان الموالي والعلماء وديوان البريد وجميع الدواوين الأخرى وعندما انتقل المتوكل على الله إلى عاصمته الجديدة كان ... الخلاف بينه وبين القواد الأتراك قد بلغ درجة خطيرة، ومما زاد في خطورة هذا الخلاف ان ولي العهد النتصر انظم الى معارض ابيه، وبلغ الخلاف بين الجانبين ان بات كل جانب منهما يتربص بالجانب الاخر ويعمل على التخلص منه، وسرعان ما نجح الجانب التركي في تدبير مؤامرة اغتيل فيها الخليفة، قد مضى على انتقاله الى المتوكلية سوى تسعة اشهر وثلاثة ايام، اذ قتل ليلة الاربعاء لاربع خلون من شوال سنة 247 هـ.